من شركة نسيج متعثرة إلى عملاق اقتصادي.. كيف صنع بافيت إمبراطورية تريليونية؟

في ستينيات القرن الماضي، لم تكن «بيركشاير هاثاواي» واحدة من عمالقة الاقتصاد الأمريكي، بل كانت شركة تعمل في صناعة النسيج وتواجه صعوبات متزايدة. وفي عام 1965، استحوذ وارن بافيت على السيطرة عليها، لتبدأ واحدة من أطول قصص التحول في عالم الشركات والاستثمار.

وبعد أكثر من ستة عقود، أصبحت «بيركشاير هاثاواي» تكتلاً ضخماً تبلغ قيمته السوقية نحو 1.1 تريليون دولار، وفق بيانات نقلتها «رويترز» في سبتمبر 2026. وتضم الشركة أنشطة تمتد من التأمين والطاقة إلى السكك الحديدية والتصنيع والخدمات وتجارة التجزئة، إضافة إلى محفظة ضخمة من الاستثمارات المالية.

لكن المفارقة أن النسيج لم يكن هو الطريق الذي صنع هذه الإمبراطورية؛ بل كان التخلي التدريجي عن الاعتماد عليه، وإعادة توجيه أموال الشركة نحو أعمال أكثر قدرة على توليد النقد، من أهم التحولات في قصة بافيت.

عندما استحوذت شراكة بافيت الاستثمارية على السيطرة في «بيركشاير هاثاواي» عام 1965، كانت الشركة تعتمد بشكل كامل تقريباً على صناعة النسيج. وفي رسالة إلى المساهمين عام 1985، كتب بافيت أن القيمة الدفترية للشركة وقت الاستحواذ كانت نحو 22 مليون دولار، وكانت مرتبطة بالكامل تقريباً بأعمال النسيج.

لكن أداء قطاع النسيج لم يتحول إلى مصدر مستدام للأرباح. وبدلاً من أن يظل بافيت متمسكاً بالنشاط الأصلي للشركة، بدأ استخدام الموارد التي يولدها لإعادة توجيه «بيركشاير هاثاواي» نحو مجالات أخرى.

وفي عام 1967، استُخدمت الأموال الناتجة عن نشاط النسيج، إلى جانب خفض الاستثمارات في المخزون وبعض الأصول الأخرى، لتمويل دخول بيركشاير إلى قطاع التأمين عبر شراء National Indemnity Company. ووصف بافيت هذه الخطوة لاحقاً بأنها نقطة مهمة في عملية تنويع الشركة.

لم يكن شراء شركة تأمين مجرد إضافة إلى أنشطة بيركشاير، بل أصبح قطاع التأمين لاحقاً أحد المصادر الأساسية للأموال التي استخدمتها الشركة في شراء الأسهم والشركات.

وفي رسالة عام 2004، أوضح بافيت أن التأمين على الممتلكات والحوادث أصبح النشاط الأساسي للشركة منذ شراء National Indemnity عام 1967، وأن ما يعرف بـ«التعويم التأميني» (Insurance Float) وفر أموالاً يمكن استخدامها في الاستثمار.

والـ«Float» هو الأموال التي تحتفظ بها شركة التأمين مؤقتاً بين تحصيل أقساط التأمين ودفع المطالبات. ووفق بافيت، بلغ هذا الرصيد نحو 20 مليون دولار عند شراء National Indemnity، قبل أن يرتفع على مدى العقود التالية إلى عشرات المليارات من الدولارات.

وهنا بدأ نموذج بيركشاير يتغير، بدلاً من أن تكون شركة نسيج لديها استثمارات، أصبحت شركة تمتلك أعمالاً منتجة للنقد ويمكنها استخدام هذه الأموال لشراء مزيد من الأصول والاستثمارات.

لم يعتمد بافيت على شراء الأسهم فقط. فمع مرور الوقت، أصبحت بيركشاير تجمع تحت مظلتها شركات تعمل في قطاعات مختلفة، مع ترك مساحة كبيرة لإدارات تلك الشركات لإدارة أعمالها.

وكان شراء See's Candies ، وهي شركة صناعة الشوكولاتة والحلويات، عام 1972 من الصفقات التي ساعدت بافيت وشريكه تشارلي مونغر على ترسيخ فلسفة مختلفة في الاستحواذ.

دفعت بيركشاير، من خلال Blue Chip Stamps، نحو 25 مليون دولار لشراء See's، رغم أن الشركة كانت تحقق أرباحاً قبل الضرائب تقارب 2 مليون دولار وكانت تحتاج إلى نحو 8 ملايين دولار فقط من الأصول الملموسة لتشغيل نشاطها، وفق ما شرحه بافيت لاحقاً.

أهمية الصفقة لم تكن في حجم "See's Candies" آنذاك، وإنما في طبيعة النشاط وقدرته على توليد الأرباح دون الحاجة إلى ضخ كميات ضخمة من رأس المال. وأصبحت التجربة جزءاً من تطور طريقة بيركشاير في تقييم الشركات.

بافيت ومونغر

لم يكن التحول نتيجة قرارات بافيت وحده. فقد لعب تشارلي مونغر ،المستثمر الأمريكي الشهير وشريك وارن بافيت في قيادة الشركة، دوراً رئيسياً في تطوير فلسفة بيركشاير الاستثمارية.

كتب بافيت في التقرير السنوي لعام 2014 أن بيركشاير «بُنيت وفق مخطط مونغر»، موضحاً أن دوره كان أشبه بـ«المقاول العام»، بينما تولى المديرون التنفيذيون للشركات التابعة إدارة أعمالهم.

هذه الفلسفة ساعدت بيركشاير على بناء مجموعة متنوعة من الشركات، مع الاعتماد على مديريها بدلاً من إدارة كل نشاط بشكل مركزي.

وفي الوقت نفسه، استمرت بيركشاير في الاستثمار في شركات مدرجة. ومن أبرز الأمثلة Coca-Cola، التي بدأت بيركشاير شراء أسهمها بكميات كبيرة عام 1988. وفي نهاية 1989، كانت قيمة حيازة بيركشاير في الشركة نحو 1.8 مليار دولار، مقابل تكلفة شراء بلغت نحو 1.02 مليار دولار.

من النسيج إلى شبكة من القطاعات

بحلول العقود التالية، أصبح النشاط الأصلي الذي بدأ منه بافيت أقل أهمية داخل بيركشاير، بينما توسعت الشركة في التأمين والاستثمارات والأعمال التشغيلية.

وفي عام 1985، أعلن بافيت إغلاق عمليات النسيج بعد أن خلص إلى أن النشاط لم يحقق العائد المطلوب رغم محاولات تحسينه. وكتب أن بيركشاير كانت قد نوعت أعمالها تدريجياً، بحيث أصبح تأثير قطاع النسيج على النتائج الإجمالية للشركة أصغر مع مرور الوقت. وبذلك انتهت العلاقة المباشرة بين بيركشاير وصناعة النسيج، لكن اسم الشركة بقي كما هو.

أما الإمبراطورية التي نعرفها اليوم، فتضم أعمالاً في التأمين وإعادة التأمين، والمرافق والطاقة، والنقل بالسكك الحديدية، والتصنيع، والخدمات وتجارة التجزئة، بحسب الشركة نفسها.

كيف وصلت إلى تريليون دولار؟

التحول لم يحدث عبر صفقة واحدة، ولا يمكن اختزاله في ارتفاع سعر سهم واحد. النمو جاء عبر عقود من إعادة استثمار رأس المال، وشراء الشركات، والاستثمار في الأسهم، وتوسيع قطاع التأمين، والاحتفاظ بالأعمال القادرة على توليد النقد.

وتشير «رويترز» إلى أن بيركشاير تحولت تحت قيادة بافيت من شركة نسيج متعثرة إلى تكتل تبلغ قيمته نحو 1.1 تريليون دولار، مع امتلاكها شركات مثل GEICO للتأمين، وBNSF للسكك الحديدية، إلى جانب شركات في قطاعات الطاقة والصناعة وتجارة التجزئة، فضلاً عن محفظة كبيرة من الأسهم وسندات الخزانة الأمريكية.

نهاية حقبة

في سبتمبر 2026، أنهى بافيت آخر منصب تنفيذي كبير له في الشركة، بعدما أصبح رئيساً فخرياً لمجلس الإدارة مع بقائه عضواً في مجلس الإدارة واستمراره في تقديم المشورة والخبرة للشركة والمساهمين.

وانتخب مجلس الإدارة نجله هاورد بافيت رئيساً للمجلس. وكان هاورد عضواً في مجلس إدارة Berkshire منذ عام 1993. أما منصب الرئيس التنفيذي فقد انتقل في بداية عام 2026 إلى غريغ أبيل، الذي أصبح مسؤولاً عن إدارة العمليات اليومية للشركة.