أسطول ضخم لصيد الحبار ينهب أعالي البحار.. وتحذيرات من كارثة بيئية

في كل عام، يجتاح أسطول صيد عملاق، تهيمن عليه السفن الصينية، منطقة بحرية شاسعة تُعرف باسم «ميل 201» في جنوب المحيط الأطلسي قبالة السواحل الأرجنتينية، مستنزفاً ثرواتها البحرية في واحدة من أكثر مناطق الصيد غير الخاضعة للرقابة في العالم، ويبلغ حجم هذا الأسطول حداً يجعله مرئياً من الفضاء، في مشهد يشبه مدينة عائمة تعج بالأضواء ليلاً.

داخل غرفة مراقبة في بوينس آيرس، يتابع نحو اثني عشر عنصراً من خفر السواحل الأرجنتيني حركة سفن الصيد الصناعية العملاقة لحظة بلحظة عبر شاشات متعددة. ويقول قائد قسم المراقبة، ماوريسيو لوبيز: «كل عام، ولمدة خمسة إلى ستة أشهر، يتوافد أسطول أجنبي من دول آسيوية ومن شمال المحيط الأطلسي، ما يخلق مشكلة بيئية خطيرة».

على مقربة من الحدود البحرية للأرجنتين، تحتشد مئات السفن الأجنبية فيما يُعرف بأسطول الصيد في أعالي البحار داخل منطقة «ميل 201»، وهي شريط بحري يقع مباشرة خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة، ولا يخضع لأي تنظيم أو رقابة فعالة.

ووفقاً لتحقيق نشرته صحيفة «الغارديان»، وصفت مؤسسة العدالة البيئية (EJF) هذا النشاط بأنه أحد أكبر مصايد الحبار غير المنظمة في العالم، محذّرة من أن استمراره بهذا الحجم قد يؤدي إلى زعزعة استقرار النظام البيئي بأكمله.

وتوضح الملازم ماغالي بوبيناك، عالمة الأحياء البحرية في خفر السواحل الأرجنتيني، أن غياب القواعد الدولية المنظمة لصيد الحبار في المنطقة يمثل ثغرة خطيرة، قائلة: «مع وجود هذا العدد الهائل من السفن التي تصطاد بلا توقف ودون رقابة، لا يتم احترام دورة حياة الحبار القصيرة التي لا تتجاوز عاماً واحداً.. أساطيل الصيد في المياه البعيدة تستغل هذا الفراغ التنظيمي إلى أقصى حد».

خطر يتجاوز الحبار

لا تقتصر تداعيات الصيد الجائر على الحبار وحده، بل تمتد لتشمل الحيتان والدلافين والفقمات والطيور البحرية، إضافة إلى أنواع تجارية مهمة مثل سمك النازلي والتونة.

ويحذر خبراء من أن أي انهيار في أعداد الحبار قد يُحدث سلسلة اضطرابات بيئية متلاحقة، مع ما يحمله ذلك من تكاليف اجتماعية واقتصادية جسيمة على المجتمعات الساحلية والأسواق العالمية، خصوصاً في أوروبا.

وتضيف بوبيناك: «إذا تأثر هذا النوع، فإن النظام البيئي بأكمله سيتأثر. الحبار عنصر غذائي أساسي لكائنات أخرى، وتأثيره على التنوع البيولوجي هائل، كما أن النظم البيئية البحرية الهشة تحت هذا الأسطول، مثل الشعاب المرجانية في أعماق البحار، معرضة للتلف المادي والتلوث».

هيمنة صينية

بحسب مؤسسة العدالة البيئية، تشكل السفن الصينية نحو 75% من أسطول صيد الحبار العامل في أعالي البحار، فيما تمثل أساطيل تايوان وكوريا الجنوبية حصصاً كبيرة أيضاً.

وشهدت منطقة «ميل 201» تصاعداً لافتاً في النشاط خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت ساعات الصيد بنسبة 65% بين عامي 2019 و2024، وهي زيادة تُعزى تقريباً بالكامل إلى الأسطول الصيني، الذي قفز نشاطه بنسبة 85% خلال الفترة نفسها.

انتهاكات خطيرة

أدى غياب الرقابة إلى ما هو أخطر من الصيد الجائر. فقد كشفت مقابلات أجرتها مؤسسة العدالة البيئية عن ممارسات قاسية بحق الحياة البحرية، حيث أفاد أفراد من أطقم السفن بتعمد صيد وقتل الفقمات، أحياناً بالمئات، على متن أكثر من 40% من السفن الصينية، ونحو خُمس السفن التايوانية.

كما وثّقت شهادات أخرى صيد حيوانات بحرية كبيرة للحصول على أجزاء من أجسامها، في حين أظهرت صور ومقاطع فيديو فقمات معلقة على خطافات وبطاريق عالقة على أسطح السفن.

وتقول الملازم لوسيانا دي سانتيس، المحامية في خفر السواحل الأرجنتيني: «خارج منطقتنا الاقتصادية الخالصة، لا نملك أي صلاحية قانونية للتدخل أو التفتيش».

«الاختفاء» في البحر

ويشير لوبيز إلى أن نسبة كبيرة من السفن تعمد إلى إيقاف أنظمة التعريف الآلي أثناء الصيد في المنطقة، فيما يُعرف بظاهرة «الاختفاء»، لتجنب الرصد والمساءلة.

ولا تقل أوضاع أطقم العمل خطورة، إذ كشف تحقيق المؤسسة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت العنف الجسدي، وخصم الأجور، والترهيب، والعمل القسري، وإجبار البحارة على البقاء في عرض البحر لفترات طويلة دون راحة تُذكر.

أثر عالمي

تحذر مؤسسة العدالة البيئية من أن كثيراً من الحبار المصطاد في هذه الظروف لا يزال يدخل أسواقاً رئيسية في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأمريكا الشمالية، ما يعني أن المستهلكين قد يشترون دون علمهم منتجات بحرية مرتبطة بالقسوة البيئية.

وتدعو المؤسسة إلى حظر الواردات المرتبطة بالصيد غير القانوني، وإرساء نظام عالمي للشفافية يحدد من يصطاد وأين ومتى وكيف، من خلال ميثاق دولي ينظم الصيد خارج المياه الوطنية.

ويختتم ستيف ترينت، مؤسس المؤسسة، بالتحذير قائلاً: «الأسطول الصيني في المياه البعيدة هو المحرك الرئيسي لهذه الأزمة. لا بد أن بكين على علم بما يجري. من دون تحرك عاجل، نحن نتجه نحو كارثة بيئية حقيقية».