تواصل الصين تعزيز مكانتها كأحد أبرز قادة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، من خلال تنفيذ مشروع ضخم للطاقة الشمسية في صحراء كوبوتشي بمنطقة منغوليا الداخلية، يمتد على طول 400 كيلومتر، ويُتوقع أن يوفر عشرات المليارات من الكيلوواط/ساعة من الكهرباء النظيفة بحلول نهاية العقد الجاري.
ويضم المشروع، الذي بات مرئياً من الفضاء، تشكيلاً فريداً من الألواح الشمسية على هيئة حصان يعدو، حطم الرقم القياسي المسجل في موسوعة غينيس بوصفه أكبر صورة في العالم يتم تشكيلها باستخدام الألواح الشمسية.
ممر شمسي عملاق بطول 250 ميلاً
ووفقاً للخطط الصينية، يجري تطوير ممر للطاقة الشمسية يمتد لمسافة 250 ميلاً (400 كيلومتر) عبر صحراء كوبوتشي، بعرض يصل إلى ثلاثة أميال (نحو 5 كيلومترات)، ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى إنشاء قدرة إنتاجية تبلغ 100 غيغاواط من الطاقة الشمسية في المنطقة.
وتُظهر صور التقطتها أقمار "لاندسات 8" و"لاندسات 9" التابعة لبرنامج مراقبة الأرض الأمريكي، بفارق زمني يزيد على سبع سنوات، حجم التوسع السريع الذي شهدته المنطقة، حيث تحولت مساحات شاسعة من الكثبان الرملية إلى منشآت ضخمة لتوليد الطاقة المتجددة.
ويُنتظر أن يسهم المشروع في تزويد منطقة بكين – تيانجين – خبي، إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية وصناعية في الصين، بنحو 40 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء النظيفة سنوياً بحلول عام 2030.
إنجازات حالية وخطط توسعية
وبحلول عام 2024، بلغت القدرة المنجزة من المشروع نحو 5.4 غيغاواط، منها 2 غيغاواط دخلت الخدمة بالفعل ضمن قاعدة "الممرات الثلاثة – كوبوتشي" للطاقة.
وتشير التقديرات إلى إضافة نحو 7 غيغاواط أخرى إلى الشبكة الكهربائية خلال العام الجاري، ما يعكس تسارع وتيرة التنفيذ.
وتُعد قاعدة "الممرات الثلاثة – كوبوتشي" إحدى الركائز الأساسية للمشروع، إذ صُممت لإنتاج 16 غيغاواط من الكهرباء، موزعة على:
8 غيغاواط من الطاقة الشمسية.
4 غيغاواط من طاقة الرياح.
4 غيغاواط من محطات الفحم.
وتقول الجهات المشرفة على المشروع إن الاعتماد الجزئي على الفحم يهدف إلى تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية وتعويض فترات انخفاض إنتاج مصادر الطاقة المتجددة نتيجة الظروف المناخية.
محطة "جونما".. حصان شمسي يحطم الأرقام القياسية
ومن أبرز المنشآت التي تم تشغيلها حتى الآن محطة "جونما" للطاقة الشمسية، التي تضم التشكيل الشهير للألواح الشمسية على هيئة حصان يعدو عبر الصحراء.
وقد حصلت المحطة على اعتراف رسمي من موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتبارها أكبر صورة يتم إنشاؤها باستخدام الألواح الشمسية في العالم.
ولا تقتصر أهمية المحطة على قيمتها الرمزية أو الجمالية، إذ تنتج ما يقارب ملياري كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، ما يجعلها عنصراً مؤثراً في منظومة الطاقة النظيفة الصينية.
فوائد بيئية تتجاوز إنتاج الكهرباء
ويتميز المشروع بخصائص بيئية مبتكرة تتجاوز مهمة توليد الكهرباء فقط، إذ تم تركيب الألواح الشمسية على ارتفاع أعلى من المعتاد، ما يسمح لها بالقيام بدور مصدات للرياح وتقليل سرعة العواصف الرملية التي تشتهر بها المنطقة الصحراوية.
كما تسهم الألواح في توفير الظل للتربة، الأمر الذي يؤدي إلى خفض معدلات التبخر والحفاظ على الرطوبة، ما يخلق ظروفاً أكثر ملاءمة لنمو النباتات والأعشاب والمحاصيل الزراعية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية خلال السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في الغطاء النباتي بالمناطق التي استقرت فيها مشاريع الطاقة الشمسية، في مؤشر على بدء تحسن الظروف البيئية داخل أجزاء من الصحراء.
ويواصل الباحثون دراسة التأثيرات طويلة الأمد لهذه الظاهرة، بما في ذلك إمكانية مساهمتها في تغيير أنماط هطول الأمطار مستقبلاً، وتحويل أجزاء من الصحراء إلى مناطق أكثر خصوبة.
تحديات نقل الطاقة لمسافات طويلة
ورغم التقدم الكبير في تنفيذ المشروع، فإن التحدي الأبرز يتمثل في نقل كميات الكهرباء المنتجة إلى مراكز الاستهلاك الرئيسية الواقعة على بعد نحو 1300 كيلومتر من مواقع الإنتاج.
غير أن الصين بدأت بالفعل في إنشاء وتوسيع شبكات وخطوط نقل فائقة الجهد لربط منغوليا الداخلية بالمدن الكبرى في شرق وجنوب البلاد، في خطوة تهدف إلى ضمان الاستفادة الكاملة من الطاقة المنتجة في المناطق الصحراوية.
رسالة استراتيجية
ويعكس مشروع "الحصان الشمسي" في صحراء كوبوتشي التوجه الصيني المتسارع نحو تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بالتوازي مع الوفاء بالتزامات البلاد المناخية وخفض الانبعاثات الكربونية.
وبينما يلفت الحصان العملاق الأنظار باعتباره إنجازاً بصرياً غير مسبوق، فإنه يمثل في الوقت نفسه رمزاً لطموحات الصين في بناء واحدة من أكبر منظومات الطاقة المتجددة في العالم وتحويل الصحاري إلى مراكز استراتيجية لإنتاج الطاقة النظيفة.
