طوّر باحثون في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة (Nanyang Technological University – NTU) خلايا شمسية فائقة الرقة وشبه شفافة، يمكن أن تمهّد لتحويل الزجاج المستخدم في المباني والسيارات والنظارات الذكية إلى أسطح منتجة للكهرباء، في خطوة تُعد من أبرز التطورات في مجال الطاقة الشمسية المدمجة بالمباني.
وبحسب الدراسة، فإن الخلايا الجديدة المصنوعة من مادة البيروفسكايت تبلغ سماكتها نحو 10,000 مرة أقل من سماكة شعرة الإنسان، ورغم هذا الحجم المتناهي الصغر، فقد حققت أداءً يُصنّف من بين الأعلى المسجّل حتى الآن في فئة الخلايا الشمسية شبه الشفافة فائقة الرقة.
وقال الباحثون إن التقنية الجديدة تمثل اتجاهاً متسارعاً نحو "تحويل البيئة المبنية إلى مصدر للطاقة"، بحيث يمكن للمباني والمركبات والأجهزة القابلة للارتداء توليد الكهرباء دون الحاجة إلى تغييرات جذرية في التصميم أو البنية التحتية، ما قد يقلل الاعتماد على المساحات المخصصة للألواح الشمسية التقليدية.
خلايا شمسية مدمجة في الزجاج شبه غير مرئية
طوّر الفريق البحثي بقيادة الدكتورة أناليسا برونو (Annalisa Bruno) خلايا شمسية تحافظ على درجة عالية من الشفافية والحياد اللوني، ما يجعلها قابلة للاندماج داخل واجهات الأبراج الزجاجية والنوافذ دون التأثير على المظهر العام للمباني.
وتعتمد التقنية على مادة البيروفسكايت المعروفة بكفاءتها العالية في امتصاص ضوء الشمس، إضافة إلى انخفاض تكلفة إنتاجها مقارنة بخلايا السيليكون التقليدية، وتمتاز الخلايا الجديدة بقدرتها على توليد الكهرباء حتى في ظروف الإضاءة غير المباشرة أو المنتشرة، وهو ما يجعلها مناسبة بشكل خاص للمدن الكثيفة التي تحجب فيها الأبنية الشاهقة أشعة الشمس المباشرة.
ووفق تقديرات الباحثين، فإن الأبراج المكتبية ذات الواجهات الزجاجية قد تكون قادرة مستقبلاً على تغطية جزء ملحوظ من احتياجاتها الكهربائية باستخدام هذه التقنية، مع إمكانية إنتاج مئات الميغاواط/ساعة سنوياً للمبنى الواحد في حال نجاح توسيع نطاق التطبيق تجارياً.
تصنيع عبر التبخير الحراري وطبقات نانوية فائقة الدقة
استخدم الفريق تقنية "التبخير الحراري" داخل بيئة مفرغة من الهواء، حيث يتم تسخين المواد حتى تتبخر ثم تُترسب على شكل طبقات رقيقة جداً، ما أتاح تصنيع طبقات بيروفسكايت متجانسة بسماكة تصل إلى 10 نانومتر فقط.
وتميّزت هذه الطريقة أيضاً بتجنب استخدام المذيبات الكيميائية السامة التي تُستخدم عادة في تصنيع الخلايا الشمسية التقليدية، وهو ما قد يساهم في تسهيل عمليات الإنتاج الصناعي المستقبلية وتقليل الأثر البيئي لعمليات التصنيع.
كما تمكن الباحثون من إنتاج نسخ معتمة وأخرى شبه شفافة عبر التحكم في سماكة طبقة البيروفسكايت، وأظهرت النتائج أن النماذج المعتمة حققت كفاءة تحويل طاقة تتراوح بين 7% و12% بحسب السماكة، بينما سجلت النسخة شبه الشفافة كفاءة بلغت 7.6% مع السماح بمرور نحو 41% من الضوء المرئي.
وأوضح الباحث الأول في الدراسة، لوك وايت (Luke White)، أن هذه النتائج تُعد من بين الأقوى المسجلة في مجال الخلايا الشمسية شبه الشفافة باستخدام مواد مشابهة، مشيراً إلى إمكانية استخدامها في تطبيقات مثل النوافذ المولدة للطاقة والواجهات المعمارية الذكية.
تحديات قبل التسويق التجاري
من جهته، قال البروفيسور سام سترانكس (Sam Stranks) من جامعة كامبريدج (University of Cambridge) إن النهج التصنيعي الجديد يمثل خطوة واعدة نحو توسيع إنتاج هذه التكنولوجيا، إلا أنه شدد على ضرورة إثبات المتانة والاستقرار طويل الأمد قبل الانتقال إلى الاستخدام التجاري الواسع.
وكان فريق NTU قد قدّم طلب براءة اختراع عبر شركة NTUitive، ويعمل حالياً بالتعاون مع شركاء من القطاع الصناعي على تحسين عمليات الإنتاج ورفع كفاءة التحمل والتوسع في المساحات القابلة للتغطية بالخلايا.
ويأمل الباحثون أن تمهّد هذه التقنية في المستقبل لتحويل الأسطح الزجاجية في المباني والمركبات وحتى الإلكترونيات الاستهلاكية إلى مصادر هادئة ومستدامة لتوليد الطاقة، ضمن توجه عالمي متسارع نحو تقنيات الطاقة النظيفة والمدمجة في البيئة الحضرية.
