في مشهد يعكس فلسفة دبي في صناعة المستقبل، نشر سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس مجلس أمناء مؤسسة دبي للمستقبل، مقطع فيديو يحتفي بشجرة "الشعلة"، تلك الشجرة التي تزهر بين مايو ويوليو، لتلوّن المدينة بأزهارها البرتقالية وتمنحها طابعاً بصرياً مميزاً في قلب الصيف، ولم يكن هذا الاحتفاء مجرد لفتة جمالية، بل جزء من رؤية أوسع تربط بين الطبيعة والاقتصاد الحضري.
وقال سموه: "في دبي تزهر شجرة الشعلة في الصيف لتتجدد بها الحياة في بيوتنا ومجالسنا وشوارعنا وحدائقنا… وتزهر معها مدينةٌ لا تعرف إلا الحياة والجمال"، في إشارة إلى أن الموسم في دبي لا يُقاس بالطقس فقط، بل بما تصنعه المدينة من تجارب متكاملة.
توجيهات استراتيجية.. التشجير كاستثمار
ضمن هذا التوجه، وجّه سموه بتكثيف زراعة شجرة الشعلة في الشوارع والحدائق والمنازل، مع توفير الشتلات للراغبين، في خطوة تعكس تحول التشجير إلى أداة اقتصادية ضمن منظومة التخطيط الحضري.
وتتميز هذه الشجرة بخصائص لافتة: مظلة تصل إلى 15 متراً، قدرة على خفض الحرارة بنحو 5 درجات، وتحملها للبيئة المحلية، إضافة إلى عمر يصل إلى 60 عاماً.
هذه المعطيات تجعلها استثماراً طويل الأمد في تحسين جودة الحياة، وتقليل تكاليف التبريد، ورفع جاذبية المدينة للسكان والزوار.
دبي.. مدينة لا تنتظر الفصول
لكن الأهم من الشجرة نفسها، هو الفلسفة التي تمثلها، فدبي لا تنتظر تغير الفصول لتنشط اقتصادها، بل تصنع مواسمها بنفسها، هذا النهج بدأ مبكراً مع إطلاق "مفاجآت صيف دبي" عام 1998، التي شكلت نقطة تحول في مفهوم السياحة الموسمية في المنطقة.
في ذلك الوقت، كانت أشهر الصيف تُعد فترة ركود اقتصادي، لكن دبي أعادت صياغتها بالكامل.
شخصية "مدهش" لم تكن مجرد رمز ترفيهي للأطفال، بل كانت جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة استهدفت تحفيز الإنفاق، وجذب العائلات، وتحريك قطاع التجزئة.
"مدهش" وبداية اقتصاد الصيف
حققت "مفاجآت صيف دبي" نجاحاً سريعاً، حيث جذبت في سنواتها الأولى ملايين الزوار، وساهمت في رفع مبيعات التجزئة بشكل ملحوظ.
ومع مرور الوقت، أصبحت الفعاليات الصيفية ركيزة أساسية في اقتصاد المدينة، مدعومة بعروض الفنادق والتخفيضات الكبرى في مراكز التسوق.
وبحسب تقديرات سياحية، ساهمت هذه المبادرات في تحويل الصيف إلى أحد أهم مواسم الإنفاق الاستهلاكي في دبي، حيث تستفيد قطاعات مثل الطيران والضيافة والتجزئة والترفيه بشكل مباشر.
مواسم تتجدد كل عام
لم تتوقف دبي عند نموذج "مدهش"، بل طورت مفهوم المواسم بشكل مستمر، ظهرت لاحقاً فعاليات مثل "مهرجان دبي للتسوق" في الشتاء، و"موسم دبي الفني"، و"موسم دبي الرياضي"، إضافة إلى فعاليات صيفية متجددة يتم تحديثها سنوياً.
هذا التنوع يعكس استراتيجية قائمة على الابتكار المستمر، حيث يتم إعادة تصميم التجربة السياحية كل عام تقريباً، لضمان بقاء المدينة في دائرة الاهتمام العالمي.
اقتصاد الفعاليات.. صناعة الطلب
اقتصادياً، يعتمد هذا النموذج على خلق الطلب بدلاً من انتظاره، فبدلاً من التأثر بالعوامل المناخية، تبني دبي منظومة فعاليات تخلق أسباباً دائمة للزيارة.
ويُقدّر متوسط إنفاق السائح في دبي بين 1500 و2500 دولار، ما يعني أن أي زيادة في عدد الزوار خلال موسم معين، حتى في الصيف، تترجم مباشرة إلى عوائد اقتصادية كبيرة.
كما تسهم هذه الفعاليات في رفع معدلات إشغال الفنادق، وزيادة حركة الطيران، وتنشيط قطاع التجزئة، الذي يُعد أحد أعمدة اقتصاد دبي.
الطبيعة تدخل المعادلة
الجديد في هذه المرحلة هو دمج الطبيعة ضمن هذه المنظومة الاقتصادية، فبدلاً من الاعتماد فقط على المراكز التجارية المغلقة، بدأت دبي في تعزيز المساحات الخضراء والتجارب الخارجية.
وهنا تأتي "شجرة الشعلة" كعنصر رمزي وعملي في آن واحد، فهي تضيف بعداً جمالياً للصيف، وتخلق بيئة أكثر راحة في الأماكن المفتوحة، ما يشجع على استخدام الحدائق والمتنزهات حتى في الأشهر الحارة.
أماكن مثل حديقة مشرف وغيرها أصبحت جزءاً من تجربة الصيف، حيث يمكن للعائلات الاستمتاع بالطبيعة، في نموذج يجمع بين الترفيه والاستدامة.
دبي.. اقتصاد التفاصيل
ما تكشفه هذه التجربة هو أن دبي تبني اقتصادها من التفاصيل الصغيرة إلى المشاريع الكبرى، شجرة مزهرة، فعالية موسمية، شخصية كرتونية، أو مهرجان تسوق، كلها عناصر تتحول إلى أدوات ضمن استراتيجية اقتصادية متكاملة.
وفي هذا السياق، تصبح "شجرة الشعلة" امتداداً لفلسفة بدأت منذ عقود: تحويل التحديات إلى فرص، والصيف إلى موسم، والطبيعة إلى جزء من التجربة الاقتصادية.
مستقبل بلا مواسم ثابتة
في النهاية، تؤكد دبي أنها لا تعمل وفق تقويم تقليدي، فالمواسم لم تعد مرتبطة بالطقس، بل بالابتكار.
وبين "مدهش" الذي أعاد تعريف الصيف قبل عقود، و"شجرة الشعلة" التي تعيد تشكيله اليوم، تواصل المدينة كتابة نموذج اقتصادي فريد: مدينة لا تنتظر الفصول… بل تصنعها، وتعيد ابتكارها كل عام.
