أعمق حفرة في التاريخ.. كيف تحولت إلى كنز من الطاقة؟


قبل 55 عاما، بدأ مهندسون سوفييت حفراً غير مسبوق داخل الأرض، مدفوعين برغبة في الوصول إلى أعماق لم يسبق للبشر استكشافها وفهم أسرار القشرة الأرضية. لم يكن الهدف استخراج النفط أو الغاز، ولم يتخيل القائمون على المشروع أن البيانات التي سيجمعونها ستعود بعد عقود لتكتسب أهمية في سباق البحث عن مصادر طاقة أنظف.

وهنا تظهر أهمية الطاقة الحرارية الجوفية، التي تقوم على استغلال الحرارة الطبيعية المخزنة في أعماق الأرض لإنتاج الكهرباء أو توفير الحرارة. ومع تطور تقنيات الحفر الحديثة، أصبح الوصول إلى الصخور شديدة السخونة في الأعماق هدفًا لمشروعات تسعى إلى تحويل هذه الحرارة الهائلة إلى مصدر مستمر ومنخفض الانبعاثات للطاقة.

ومن هنا يعود بئر كولا إلى الواجهة؛ فالمشروع السوفييتي الذي بدأ بهدف دراسة القشرة الأرضية ترك وراءه بيانات نادرة عن درجات الحرارة والضغط والصخور والسوائل في الأعماق، وهي معلومات يمكن أن تساعد العلماء والمهندسين على فهم التحديات التي تواجه استغلال حرارة باطن الأرض مستقبلًا.

«بئر كولا فائق العمق» المعروف باسم SG-3، الذي بدأ حفره في شبه جزيرة كولا شمال غربي روسيا في 24 مايو 1970. وبعد أكثر من عقدين من العمل المتقطع، وصل الحفر إلى عمق 12,262 مترا، ليصبح أعمق بئر رأسي حفره الإنسان في الأرض، وهو رقم لا يزال صامدًا حتى اليوم.

مشروع سوفييتي تجاوز حدود الأرض

لم يكن بئر كولا مشروعًا للطاقة، بل تجربة علمية ضخمة لدراسة القشرة القارية مباشرة. وكان المهندسون يأملون في الوصول إلى عمق 15 كيلومترًا تقريبًا، وربما الاقتراب من الحد الفاصل بين القشرة والوشاح المعروف باسم «موهو»، لكن البئر لم يصل إلى تلك المنطقة.

وخلال الحفر، جُمعت آلاف الأمتار من عينات الصخور، إلى جانب كميات هائلة من البيانات المتعلقة بدرجات الحرارة والخصائص الفيزيائية للصخور والسوائل والعمليات الجيولوجية في الأعماق. وأظهرت النتائج أن باطن الأرض أكثر تعقيدًا مما كانت النماذج العلمية تتوقعه في ذلك الوقت.

الحرارة التي أوقفت أعمق حفرة

كلما اقترب الحفر من الأعماق القصوى، ظهرت المشكلة الأكبر وهي الحرارة.

فعند قاع البئر وصلت درجة الحرارة إلى نحو 212 درجة مئوية، وهي درجة أعلى بكثير مما توقعه المهندسون. وتحت هذه الظروف، لم تعد الصخور تتصرف بالطريقة الصلبة المعتادة، بل أصبحت أكثر ليونة وتشوهًا، ما أدى إلى تدفقها تدريجيًا وإغلاق أجزاء من البئر، وجعل مواصلة الحفر أكثر صعوبة. وفي النهاية، توقفت أعمال الحفر، وأُغلق المشروع بعدما أصبح الوصول إلى أعماق أكبر مكلفًا ومعقدًا للغاية.

مفارقة تعيد بئر كولا إلى الواجهة 

المشروع لم يكن هدفه إنتاج الطاقة ولكنه ترك وراءه واحدة من أكثر مجموعات البيانات تفصيلًا عن القشرة القارية العميقة. ومع تطور تقنيات الطاقة الحرارية الجوفية المحسّنة، بدأ العلماء والمهندسون ينظرون باهتمام أكبر إلى ما تعلمه مشروع كولا عن الحرارة والضغط وسلوك الصخور في الأعماق.

وتقوم أنظمة الطاقة الحرارية الجوفية المحسّنة على الوصول إلى الصخور الساخنة في أعماق الأرض، ثم استخدام المياه لاستخراج الحرارة ونقلها إلى السطح، حيث يمكن تحويلها إلى كهرباء. وهذه التقنيات الحديثة لم تكن موجودة عندما بدأ السوفييت حفر بئر كولا، لكنها تستفيد اليوم من المعرفة التي تراكمت خلال عقود من دراسة باطن الأرض.

وبعبارة أخرى، البئر نفسه لا ينتج الكهرباء، لكن ما كشفه عن باطن الأرض قد يساعد في فهم كيفية استخراج الطاقة من حرارة الصخور العميقة.

الاهتمام بالطاقة الحرارية الجوفية يتزايد مع البحث عن مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات يمكنها إنتاج الكهرباء بصورة مستمرة، بعيدًا عن تقلبات الطقس التي تؤثر في بعض مصادر الطاقة المتجددة.

وتحاول تقنيات الجيل الجديد الوصول إلى صخور أكثر حرارة وعلى أعماق أكبر، ثم إنشاء أنظمة تسمح بمرور المياه عبر الصخور الساخنة واستخراج حرارتها. لذلك تصبح معرفة كيفية تغير الصخور والحرارة والضغط مع العمق عاملًا مهمًا في تصميم هذه المشروعات.

وتشير مراجعة علمية حديثة إلى أن تجارب الحفر فائق العمق، ومن بينها بئر كولا، توفر معلومات مهمة لفهم التحديات الجيولوجية والحرارية المرتبطة بالوصول إلى الموارد العميقة.