تحت أرض مقاطعة هونان الصينية، بدأت قصة اكتشاف قد تغيّر خريطة الذهب عالميا. ففي منطقة لم تكن تُعد من أشهر عواصم التعدين، قادت عمليات حفر عميقة إلى العثور على مؤشرات لرواسب ذهبية ضخمة، وسط تقديرات صينية تتحدث عن أكثر من ألف طن متري من الذهب، بقيمة قد تصل إلى نحو 83 مليار دولار.
ووفقًا لصحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، تستهدف الصين خلال الفترة 2025–2027 زيادة احتياطياتها من الذهب بنسبة تتراوح بين 5 و10%، ورفع إنتاجها بأكثر من 5%، بالتوازي مع تطوير تقنيات تعدين جديدة تسمح بالوصول إلى رواسب أعمق تحت الأرض.
ويأتي ذلك في وقت يحظى فيه حقل وانغو الذهبي في بينغجيانغ بمقاطعة هونان بأهمية متزايدة، بعدما حدد الجيولوجيون أكثر من 40 عرقًا من خام الذهب على أعماق تقل عن 2000 متر، لترتفع الموارد المقدرة في المنطقة الأساسية للحقل إلى نحو 300.2 طن متري. كما استثمرت السلطات المحلية أكثر من 100 مليون يوان منذ عام 2020 في أعمال التنقيب عن المعادن في المنطقة.
صخور عادية تخفي ثروة استثنائية
في مقاطعة بينغجيانغ، بدأت فرق جيولوجية صينية عمليات تنقيب مكثفة بحثًا عن مؤشرات معدنية في أعماق الأرض. وعلى مدى أشهر، لم تكن النتائج الأولى مختلفة كثيرًا عن عمليات الاستكشاف المعتادة؛ عينات من الصخور وأعمدة حفر أُرسلت إلى المختبرات للتحليل، ثم ظهرت المفاجأة، حيث كشفت بعض العينات عن تركيزات مرتفعة بصورة استثنائية من الذهب، ووصلت إحدى العينات إلى نحو 138 غرامًا من الذهب لكل طن من الخام، وهو رقم لافت جدًا مقارنة بمعدلات التركيز الشائعة في كثير من المناجم.
ولفهم مدى غرابة الرقم، فإن كثيرا من مناجم الذهب الاقتصادية تستخرج المعدن من خام يحتوي عادة على نحو غرام إلى ثلاثة غرامات من الذهب لكل طن، بينما تُعد الرواسب التي تصل إلى عشرة غرامات أو أكثر لكل طن من الخامات عالية الجودة.
ألف طن تحت الأرض
في 24 نوفمبر 2024، أعلنت السلطات الجيولوجية في مقاطعة هونان اكتشاف أكثر من 1000 طن متري من الذهب في حقل وانغو الذهبي بمنطقة بينغجيانغ. وقالت السلطات إن الجيولوجيين حددوا أكثر من 40 عرقًا من خام الذهب تمتد إلى أعماق كبيرة تحت الأرض. وعلى عمق يصل إلى نحو 2000 متر، قُدرت الاحتياطيات المؤكدة بنحو 300 طن متري من الذهب.
أما عند توسيع نطاق التقدير إلى عمق يصل إلى نحو 3000 متر، فقد ارتفع الرقم الإجمالي المعلن إلى أكثر من ألف طن متري، وبالأسعار التي استُخدمت عند الإعلان، قُدرت قيمة هذه الكمية بنحو 600 مليار يوان، أي حوالي 83 مليار دولار.
عينة واحدة رفعت مستوى الإثارة
كان اكتشاف الذهب بتركيزات مرتفعة أحد أبرز أسباب الاهتمام بالحقل. فقد أظهرت بعض عينات الحفر وجود ذهب مرئي داخل الصخور، بدلًا من مجرد تركيزات مجهرية لا يمكن اكتشافها إلا بالتحاليل المخبرية. كما حفرت فرق الاستكشاف أكثر من 65 كيلومترًا من الآبار حول المنطقة المحددة، مع استمرار ظهور مؤشرات على وجود تمعدن ذهبي في أجزاء جديدة من الموقع.
واستخدم الجيولوجيون تقنيات حديثة، من بينها النمذجة الجيولوجية ثلاثية الأبعاد، للمساعدة في رسم شكل الرواسب وتحديد المناطق الأكثر احتمالًا لوجود الذهب فيها.
منطقة لم تكن مرشحة لهذه الثروة
المثير في قصة وانغو أن مقاطعة هونان لم تكن تاريخيًا من المناطق التي تخطر على البال عند الحديث عن أضخم رواسب الذهب عالميًا.فعادة ما ترتبط المكامن الذهبية الكبرى بمناطق جيولوجية معروفة، مثل ويتواترسراند في جنوب أفريقيا، وكارلين تريند في نيفادا، وبيلبارا في غرب أستراليا.
أما بينغجيانغ، فلم تكن تُصنف ضمن أبرز هذه المناطق. وبحسب تشين رولين، خبير التنقيب عن الخامات في مكتب الجيولوجيا بمقاطعة هونان، فإن عينات مأخوذة من أعماق تقارب 2000 متر أظهرت وجود ذهب مرئي داخل الصخور.
من يدير الحقل؟
في يناير 2024، شهد قطاع الموارد المعدنية في هونان عملية اندماج أدت إلى تولي مجموعة هونان للموارد المعدنية، وهي شركة حكومية أُنشئت للإشراف على تطوير الموارد المعدنية الاستراتيجية في المقاطعة، مسؤولية إدارة الموقع.
لغز الذهب داخل عروق الكوارتز
قبل الإعلان الرسمي عن اكتشاف وانغو بنحو شهرين، نشرت جامعة موناش في ملبورن دراسة في سبتمبر 2024 تناولت ظاهرة أثارت اهتمام علماء الجيولوجيا: لماذا يمكن أن يتجمع الذهب بتركيزات مرتفعة داخل عروق الكوارتز؟
التفسير التقليدي لرواسب الذهب الأوروجينية يفترض أن الذهب يتبلور تدريجيًا من سوائل ساخنة ومخففة تتحرك عبر الشقوق الموجودة في الصخور، مع حدوث تغيرات في الضغط ودرجة الحرارة على مدى فترات زمنية طويلة.
لكن هذا التفسير لا يجيب بصورة كاملة عن كيفية تشكل بعض تجمعات الذهب شديدة التركيز داخل عروق الكوارتز.
وهنا ظهرت نظرية مختلفة.
الكوارتز قد يكون جزءًا من السر
الكوارتز مادة كهرضغطية، أي أن تعرضه للضغط الميكانيكي يمكن أن يؤدي إلى توليد شحنات كهربائية على سطحه.
وفي أعماق الأرض، حيث تتحرك الصفائح وتتغير الضغوط داخل الصخور، يمكن لبلورات الكوارتز أن تتعرض لدورات متكررة من الضغط والتحرر المفاجئ منه، ما قد يؤدي إلى حدوث تفريغات كهربائية.
وفي تجارب مخبرية ونماذج محاكاة، وجد الباحثون أن هذه التفريغات قد تنتج جهدًا كهربائيًا قادرًا على جذب الذهب المذاب الموجود في السوائل المعدنية المحيطة، ثم ترسيبه على حبيبات الذهب الموجودة أصلًا داخل عروق الكوارتز.
وبما أن الذهب موصل ممتاز للكهرباء، فإن حبيبة ذهب موجودة مسبقًا يمكن أن تصبح نقطة تتجمع حولها كميات إضافية من الذهب، ما يسمح للرواسب بالنمو تدريجيًا.
لكن الدراسة لم تتناول حقل وانغو تحديدًا، وإنما اقترحت آلية قد تساعد على تفسير تكوّن بعض تجمعات الذهب عالية التركيز في عروق الكوارتز.
لماذا قد يكون وانغو مهمًا للصين؟
إذا أكدت عمليات التنقيب اللاحقة حجم الموارد المعلن، فقد يصبح حقل وانغو أحد أهم أصول الذهب في الصين، ويمنح البلاد موردًا محليًا ضخمًا يمكن أن يقلل اعتمادها على مصادر خارجية.
وتزداد أهمية ذلك في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الذهب، وقيام البنوك المركزية في دول مختلفة بزيادة احتياطياتها من المعدن النفيس، كما أن امتلاك موارد محلية ضخمة قد يمنح الصين قدرة أكبر على تأمين إمداداتها من الذهب في فترات ارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق العالمية.
هل يتجاوز وانغو أحد عمالقة الذهب؟
لتصور حجم الاكتشاف، يمكن مقارنته بمنجم ساوث ديب في جنوب أفريقيا، الذي تديره شركة غولد فيلدز ويُعد من أكبر أصول الذهب في العالم. وتشير تقديرات مبنية على بيانات متاحة للعامة إلى أن ساوث ديب يحتوي على نحو 900 طن متري من الذهب.
وإذا ثبتت تقديرات وانغو عند أكثر من 1000 طن، فقد يتجاوز بذلك ساوث ديب بأكثر من 100 طن متري من حيث كمية الذهب المقدرة، لكن المقارنة تظل تقريبية، لأن حجم الموارد الجيولوجية لا يساوي بالضرورة كمية الذهب القابلة للاستخراج اقتصاديًا.
اقتصاديات التعدين وراء كل غرام
في عالم التعدين، لا يكفي أن يكون الذهب موجودًا؛ فتركيزه داخل الصخور يمثل عاملًا حاسمًا في تحديد جدوى استخراجه. وكلما ارتفع تركيز الذهب في كل طن من الخام، قلت كمية الصخور التي تحتاج إلى الحفر والنقل والمعالجة للحصول على كمية محددة من المعدن.
وهذا يعني عادة استهلاكًا أقل للطاقة والمواد الكيميائية وتقليل كمية النفايات الناتجة، وهو ما قد يؤدي إلى خفض تكاليف الإنتاج وتحسين هامش الربح، لذلك، إذا حافظ حقل وانغو على تركيزات مرتفعة عند تطويره، فقد يتمتع بميزة اقتصادية كبيرة مقارنة بمناجم تحتاج إلى معالجة كميات ضخمة من الصخور للحصول على الكمية نفسها من الذهب.
المنطقة تحتاج إلى مزيد من الحفر وتحليل المزيد من العينات اللبية، وتحديد شكل الرواسب وامتدادها بدقة، ثم دراسة الجدوى الاقتصادية والبنية التحتية المطلوبة لاستخراج الخام من أعماق قد تصل إلى ثلاثة كيلومترات.
كما أن أي مشروع بهذا الحجم سيحتاج إلى تقييمات بيئية دقيقة واستثمارات ضخمة في أنظمة الحفر والنقل والمعالجة والطاقة والمياه، وتواصل الفرق الصينية عمليات الحفر والاستكشاف، ومع كل عينة جديدة يمكن أن تتغير صورة الرواسب؛ ربما ترتفع التقديرات، وربما تنخفض، أو قد يتضح أن جزءًا من الذهب الموجود في الأعماق غير مجدٍ اقتصاديًا للاستخراج.
