من "أم الدويس" إلى "بابا درياه".. أساطير إماراتية أبطال ألعاب رقمية عالمية

في إحدى زوايا معرض "جيم إكسبو"، يقف شاب إماراتي يشرح للزوار تفاصيل لعبة مستوحاة من الأساطير الشعبية المحلية، بينما يعرض آخر جهاز حاسوب بتصميم يحمل الحروف العربية، وفي الجهة المقابلة يتجمع أطفال وكبار مواطنين وأصحاب همم حول سيارات يتم التحكم بها عن بُعد داخل مضمار مصمم بعناية. مشهد يبدو للوهلة الأولى ترفيهياً، لكنه في الحقيقة يعكس صناعة اقتصادية متنامية أصبحت اليوم أحد أبرز محركات الاقتصاد الرقمي والإبداعي.

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة لقضاء الوقت أو الترفيه، بل تحولت إلى صناعة عالمية ضخمة تتداخل فيها التكنولوجيا، والاستثمار والثقافة والابتكار.

 وفي الإمارات بشكل عام وإمارة دبي بشكل خاص، بدأت هذه الصناعة ترسم ملامح قطاع اقتصادي واعد يقوده جيل جديد من المطورين ورواد الأعمال الذين نجحوا في تحويل الشغف إلى مشاريع تجارية قادرة على المنافسة محلياً وعالمياً.

وتعكس الأرقام حجم هذا التحول، إذ بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في الإمارات نحو 4.65  مليارات درهم خلال عام 2025، فيما استحوذت دبي وحدها على نحو 65%  من السوق المحلي، ما يؤكد مكانة الإمارة كمركز إقليمي لصناعة الألعاب والتقنيات الرقمية.

الاقتصاد الإبداعي

ويتفق مطورون إماراتيون وخبراء في قطاع التكنولوجيا على أن صناعة الألعاب لم تعد نشاطاً جانبياً أو هواية فردية، بل أصبحت جزءاً من منظومة الاقتصاد الإبداعي التي تراهن عليها دبي ضمن رؤيتها المستقبلية.

ويؤكد هؤلاء أن التحول الحقيقي لا يعتمد على الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التشريعات الداعمة، والتمويل المستدام، والتعليم المتخصص، والبنية التحتية الرقمية المتطورة.

وفي دبي، بدأت ملامح هذه المنظومة تتشكل بوضوح من خلال المبادرات الحكومية وبرامج دعم رواد الأعمال والشركات الناشئة، إضافة إلى الفعاليات الكبرى التي تجمع المطورين والمستثمرين والموردين والجمهور تحت سقف واحد.

لكن التحدي الأكبر، بحسب المختصين، لا يزال يتمثل في الانتقال من مرحلة المبادرات الفردية إلى بناء شركات واستوديوهات متخصصة قادرة على إنتاج ألعاب تنافس عالمياً وتحقق عوائد اقتصادية مستدامة.

"جيم إكسبو"

وفي معارض متخصصة مثل "جيم إكسبو"، لا يقتصر المشهد على استعراض أحدث الأجهزة والألعاب، بل يتحول إلى منصة اقتصادية متكاملة تتيح للمطورين اختبار منتجاتهم أمام الجمهور مباشرة، والحصول على ملاحظات فورية، وعقد شراكات مع مستثمرين وناشرين عالميين.

كما يوفر الحدث فرصة للشركات الناشئة لعرض حلولها التقنية المبتكرة في مجالات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز وتحليل البيانات وإدارة البطولات الإلكترونية، وهي قطاعات تشهد نمواً متسارعاً في المنطقة.

لعبة عالمية

ومن بين القصص اللافتة في المعرض، تبرز تجربة رائد الأعمال الإماراتي إسماعيل أهلي، مؤسس شركة "فوكس ريتو" ومطور لعبة "حي الظلام".

أهلي، الذي يحمل شهادة في هندسة الطيران، قرر أن يتبع شغفه بالألعاب الإلكترونية، ليصمم لعبة رعب مستوحاة بالكامل من البيئة الإماراتية والتراث الشعبي المحلي.

وتضم اللعبة شخصية إماراتية تحمل اسم "حمد" وترتدي الكندورة الإماراتية، فيما تستحضر شخصيات وأساطير متجذرة في الذاكرة الشعبية مثل "أم الدويس" و"بابا درياه" و"عويجة"، في محاولة لتقديم الثقافة الإماراتية إلى العالم بلغة الألعاب الرقمية.

ويقول أهلي إن هدفه منذ البداية كان إنتاج لعبة تعكس الهوية المحلية، مشيراً إلى أن السوق يفتقر إلى ألعاب تعبر عن الثقافة الخليجية بشكل عام والإماراتية بشكل خاص.

وأضاف أن اللعبة متاحة حالياً على منصة "ستيم"، وقد حققت خلال أكثر من ثلاثة أشهر فقط أكثر من 10  آلاف عملية تحميل من دول عدة بينها الصين واليابان وألمانيا وروسيا، مؤكداً أن هذا الإقبال يعكس اهتماماً عالمياً بالمحتوى الثقافي المختلف.

وأشار إلى أن مشاركته في "جيم إكسبو" فتحت أمامه آفاقاً جديدة للتعاون مع شركات عالمية، كما ساهمت في تعزيز حضور اللعبة على المنصات الدولية.

"نجوم اليولة"

وفي زاوية أخرى من المعرض، يقدم المطور الإماراتي حمد خوري نموذجاً مختلفاً للألعاب المحلية من خلال مشاريعه التي تستلهم التراث الإماراتي.

ويعرض خوري ألعاباً مثل "ظبية وشاهين" و"نجوم اليولة"، والتي تعتمد على تقديم عناصر من الثقافة المحلية بأسلوب تفاعلي وترفيهي يجذب الأجيال الجديدة.

ويؤكد أن تطوير اللعبة الواحدة يتطلب استثمارات كبيرة لا تقل عن نحو 100 ألف درهم، ما يعكس حجم الجهد والموارد اللازمة لتحويل الفكرة إلى منتج رقمي متكامل.

كما ابتكر قناعاً إلكترونياً مزوداً بشاشة متحركة للترويج للألعاب عبر الرسوم المتحركة، في خطوة تعكس التداخل بين الإبداع الفني والتسويق الرقمي.

مشروع مجتمعي

أما رائد الأعمال الإماراتي أسحاق البسكي، مؤسس شركة "آر سي سيتيز"، فقد اختار مساراً مختلفاً يجمع بين الترفيه وريادة الأعمال والمسؤولية المجتمعية.

ويصف مشروعه بأنه أول مفهوم يجمع بين المقاهي وهواية أجهزة التحكم عن بُعد، مستهدفاً مختلف الفئات العمرية بما في ذلك أصحاب الهمم وكبار المواطنين.

ويقول البسكي إن المشروع انطلق في صيف 2024، واستطاع خلال فترة قصيرة المشاركة في عدد كبير من الفعاليات المحلية، من بينها قرية ليوا وواحة أدنوك ومدينة مدهش وفعاليات حتا وواحة دبي للسيليكون وغيرها.

ويرى أن النجاح الحقيقي لا يقاس بالأرباح فقط، بل بقدرة المشروع على خلق أثر اجتماعي إيجابي وتعزيز الترابط المجتمعي من خلال أنشطة تفاعلية تجمع مختلف الفئات.

حروف عربية تصل إلى العالم

وفي مجال تصميم الحواسيب المخصصة للألعاب، يبرز اسم رائد الأعمال الإماراتي عبدالله النقبي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنيجما"، الذي يشارك للمرة الثالثة في "جيم إكسبو".

ويؤكد النقبي أن الدعم الذي تقدمه حكومة دبي لمشاريع الشباب كان عاملاً رئيسياً في وصول شركته إلى أسواق عالمية، مشيراً إلى أنه نجح في بيع أجهزة حاسوب مصممة خصيصاً للألعاب في عدد من الدول.

ويضيف أن ما يميز منتجاته هو الحرص على إبراز الهوية العربية من خلال تصميمات تحمل الحروف العربية والزخارف المستوحاة من الثقافة المحلية، في محاولة للجمع بين التكنولوجيا والهوية الثقافية.

قصص نجاح تنمو مع كل دورة

ولم تقتصر قصص النجاح على المطورين فقط، بل شملت أيضاً الموردين المحليين الذين نجحوا في تحويل شغفهم بالألعاب إلى مشاريع تجارية متنامية.

وتتنوع المنتجات الأكثر طلباً بين أجهزة الألعاب المنزلية، والحواسيب المخصصة للألعاب، وسماعات الرأس الاحترافية، ولوحات المفاتيح، والكراسي المخصصة للاعبين، إضافة إلى المقتنيات والبضائع المرتبطة بالألعاب والشخصيات الشهيرة.

ويؤكد أصحاب المشاريع الصغيرة أن المعارض تمنحهم فرصة استثنائية للوصول إلى جمهور جديد يصعب استقطابه عبر المتاجر الإلكترونية وحدها، كما تتيح لهم بناء علاقات مباشرة مع العملاء وفهم احتياجاتهم بشكل أفضل.

بين المعرض والمنصات الإلكترونية

وتبقى الأسعار من أكثر القضايا التي تستحوذ على اهتمام الزوار، حيث يسعى الكثيرون إلى مقارنة عروض المعرض بأسعار المنصات الإلكترونية.

ويؤكد عدد من الموردين أن المعارض لا تنافس فقط من حيث السعر، بل تقدم قيمة إضافية تتمثل في تجربة المنتج مباشرة، والحصول على عروض حصرية وإصدارات محدودة وهدايا ترويجية لا تتوافر عبر الإنترنت.

في المقابل، يرى بعض الزوار أن المنصات الإلكترونية تمنحهم مساحة أكبر للمقارنة بين الأسعار، إلا أن التجربة الواقعية والتفاعل المباشر مع المنتج لا يزالان عاملين حاسمين في اتخاذ قرار الشراء.

بوابة نحو العالمية

من جهتها، أكدت شركة "جيلي فيش" الفرنسية المتخصصة في تطوير الألعاب الإلكترونية، والمشاركة في المعرض، بلعبة الكترونية عبارة عن سباق سيارات وتحكم في الأشياء عبر الدماغ البشرية، أنها تنظر إلى دبي باعتبارها بوابة استراتيجية للتوسع في أسواق الشرق الأوسط، بفضل ما تتمتع به من بنية تحتية متطورة ومستويات عالية من الأمن السيبراني وبيئة أعمال داعمة للابتكار.

وأشارت إلى أن دبي تمتلك مقومات تؤهلها للمنافسة عالمياً في صناعة الألعاب الرقمية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز المحتوى المحلي وتطوير ألعاب تعكس الثقافة العربية بشكل أكثر حضوراً وتميزاً.

وقالت ريم فهد، رائدة أعمال إماراتية تشارك في معرض "جيم إكسبو" للمرة الثانية على التوالي، إن المعرض يمثل منصة حقيقية لتمكين أصحاب المشاريع الناشئة وتعريف الجمهور بإبداعات الشباب الإماراتي، مشيدة بالدعم الكبير الذي تقدمه حكومة دبي لرواد الأعمال في مختلف القطاعات الإبداعية والتقنية. وأضافت أن المشاركة في مثل هذه الفعاليات تتيح للمشاريع الصغيرة فرصة بناء شبكة واسعة من العلاقات مع العملاء والشركاء المحتملين، فضلاً عن التعرف إلى أحدث التوجهات والابتكارات في قطاع الألعاب والتكنولوجيا، الأمر الذي يسهم في تطوير الأعمال وتسريع وتيرة نموها.

من جانبه، أكد صالح ناصر، رائد أعمال إماراتي، أن "جيم إكسبو" أصبح أحد أهم المنصات الداعمة للمواهب الوطنية والمشاريع الشبابية، مثمناً المستوى التنظيمي المتميز للحدث وما يوفره من فرص للتواصل المباشر بين رواد الأعمال والجمهور والمستثمرين.

وقال إن الدعم اللامحدود الذي توليه حكومة دبي للشباب أسهم في تحويل العديد من الأفكار الإبداعية إلى مشاريع ناجحة وقادرة على المنافسة، مشيراً إلى أن المعرض لا يقتصر على عرض المنتجات والخدمات فحسب، بل يشكل بيئة محفزة للابتكار وتبادل الخبرات وبناء شراكات جديدة تدعم نمو قطاع الألعاب والصناعات الرقمية في الدولة.

صناعة المستقبل

ويجمع المشاركون في "جيم إكسبو" على أن مستقبل صناعة الألعاب في الإمارات لا يرتبط فقط بالأرباح أو حجم المبيعات، بل بقدرتها على بناء اقتصاد معرفي جديد يخلق وظائف نوعية، ويشجع الابتكار، ويمنح الشباب منصة للتعبير عن أفكارهم وثقافتهم أمام العالم.

فبين لعبة تستلهم الأساطير الإماراتية، وحاسوب يحمل الحروف العربية، ومشروع يجمع الأجيال حول هواية مشتركة، تتشكل ملامح صناعة جديدة تتجاوز مفهوم الترفيه التقليدي، لتصبح أحد وجوه الاقتصاد الرقمي الذي تراهن عليه الإمارات في رحلتها نحو المستقبل.