أسواق التوقعات.. حين تُباع "الأسرار" على منصات الاقتراع الرقمي

تواجه منصات "أسواق التوقعات" ضغوطاً رقابية حادة بعد تحولها إلى رادار يكشف المعلومات الحساسة قبل صدورها رسمياً؛ فبينما فرضت منصة "كالشي" مؤخراً غرامات وعقوبات بالإيقاف على ثلاثة مرشحين فيدراليين راهنوا على نتائج انتخاباتهم الخاصة، تصاعد الجدل حول أحقية "المطلعين" في التداول بناءً على ما يمتلكونه من معلومات، ومدى مساهمة ذلك في دقة البيانات المتاحة للجمهور والقرار السياسي.

وتُعرف منصات مثل "بولي ماركت" و"كالشي" بأنها أسواق مالية تتيح للمستخدمين تداول العقود بناءً على نتائج أحداث مستقبلية حقيقية، بدءاً من نتائج الانتخابات والقرارات السيادية وصولاً إلى أحداث الرياضة والترفيه، حيث تعمل بنظام "عقود نعم/لا" الذي يحول التوقعات الجماعية إلى بيانات رقمية تعكس احتمالات الحدوث بدقة تتجاوز أحياناً استطلاعات الرأي التقليدية.

يعارض البروفيسور روبن هانسون، الأستاذ بجامعة "جورج ميسون" والمدافع عن هذه الأسواق منذ 40 عاماً، القيود التي تمنع المطلعين من التداول، حيث يرى هانسون الذي ساهم في تطوير قواعد هذه الأسواق أن استبعاد أصحاب المعلومات السرية يضعف كفاءة السوق.

ويوضح هانسون أن الغرض من هذه المنصات هو إرشاد القرارات، وبأننا بحاجة لمن يمتلك الحقيقة ليضخها في السعر، مما يجعل البيانات أكثر دقة ومصداقية للجميع، معتبراً أن هذه الأسواق تمثل آلية مالية متطورة تهدف لدفع المال للناس مقابل قول الحقيقة بأسرع ما يمكن.

ويشير هانسون إلى تحول قانوني جذري حدث قبل 15 عاماً عندما وسعت هيئة تداول السلع الآجلة تعريف "المعلومات الداخلية"، وهو ما حول "السر" من حق مجتمعي إلى ملكية قانونية حصرية للمؤسسات، وهو ما يعتبره هانسون تغولاً يخدم المنظمات على حساب الشفافية العامة.

وقد أثبتت منصات التوقع قدرة لافتة على كشف التحولات قبل وقوعها، معتمدة على مبدأ أن الحقيقة تُباع وتُشترى قبل أن تُعلن رسمياً؛ ففي الساعات الأخيرة لإدارة بايدن، حقق متداول مجهول على منصة "بولي ماركت" ربحاً صافياً قدره 300,000 دولار، بعد مراهنته بدقة على أربعة أسماء محددة شملها العفو الرئاسي قبل صدور القائمة للعلن.

وبالمثل، تبرز واقعة الجندي الأمريكي الذي استخدم معلومات مصنفة للمراهنة بمبلغ 33,000 دولار على وقوع عملية مداهمة تستهدف "مادورو"، ليقوم لاحقاً بصرف أرباح بلغت 400,000 دولار فور نجاح العملية، مما أثار تساؤلات قانونية وأمنية عميقة حول استغلال المعلومة السرية في سباق مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي باتت اليوم تحلل مليارات البيانات لترجيح كفة العقود قبل أن يصاغ الخبر بشرياً.

لم تتوقف دقة هذه الأسواق عند الملفات السياسية، بل امتدت لتشمل الأحداث الكبرى مثل تحديد هوية ضيفة "السوبر بول" المفاجئة، "ليدي غاغا"، حيث نجح المتداولون في كشف السر قبل يوم كامل من الإعلان الرسمي بفضل تحركات العقود في المنصات.

وتدعم التقديرات الاقتصادية هذا التوجه، إذ تشير إلى أن نصف تحركات الأسهم الكبرى في "وول ستريت" تقع فعلياً بناءً على معلومات داخلية قبل وصول الخبر للجمهور، وهو الواقع الذي تحاول أسواق التوقعات محاكاته لرفع دقة استشراف المستقبل.

بل إن هذه الأسواق باتت تعمل كأداة "دبلوماسية رقمية" غير رسمية، حيث تلجأ الحكومات أحياناً لجس نبض الشعوب تجاه قراراتها من خلال مراقبة حركة الرهانات، مما يحول السوق إلى ما يشبه "التصويت بالمال" أو الاستفتاء اللحظي بضمانات مالية حقيقية.

يوجه هانسون انتقادات حادة لصناع القرار الذين يصفون هذه الأسواق بـ "الآفة"، معتبراً أن المنع يعكس توجهاً "نخبوياً" يرفض مشاركة الجمهور في تجميع المعلومات، ويطرح تساؤلاً حول الازدواجية القانونية، متسائلاً عما إذا كان القانون الذي يمنع الموظف الحكومي من المراهنة في هذه الأسواق يجب أن يمنعه أيضاً وبالضرورة من التحدث للصحفيين.

كما يحذر المراقبون من أن التضييق الرقابي على المنصات الرسمية سيؤدي حتماً إلى هروب "رهانات الظل" نحو المنصات اللامركزية القائمة على تقنية "البلوكشين"، حيث تُتداول أسرار الدول والشركات بعيداً عن أي رقابة حكومية، مما يجعل محاولات المنع الحالية مجرد ملاحقة لسراب رقمي.

ولمن يخشون الخسارة أمام كبار المطلعين،  ويرى هانسون أن الفرد مسؤول عن تقدير مخاطره الشخصية، تماماً كأي شخص يغامر في استثمار خاص؛ فالعصر الحديث يقدس المخاطرة المختارة، والسؤال الجوهري بالنسبة له ليس عن مدى خطورة هذه الأسواق، بل عما إذا كانت تنتج حقيقة تستحق هذا الثمن، والإجابة في نظره تظل "نعم" قاطعة تعزز من قيمة الشفافية في عالم لم يعد يؤمن بالأسرار المخبأة.