بعد سبعة عشر عاما على نشر الورقة البيضاء التي أطلقت عملة بيتكوين إلى العالم، عاد أحد أكبر ألغاز العصر الرقمي إلى الواجهة مجدداً من هو ساتوشي ناكاموتو؟ هذا الاسم الذي لا يزال يكتنفه الغموض منذ ظهور البيتكوين في عام 2008، أصبح محور تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" ، حيث ركّزت على إعادة تحليل الأدلة الرقمية والتاريخية التي قد تكشف هوية الشخص أو المجموعة التي ابتكرت أول عملة مشفرة لامركزية. وقد استقطب التحقيق اهتماما عالميا لأنه يسلط الضوء على شخصية أثرت على مستقبل المال والاقتصاد الرقمي، ويعيد طرح التساؤلات القديمة حول من يمكن أن يقف وراء هذا الاختراع الثوري الذي غيّر قواعد التمويل العالمي.
واستمر التحقيق أكثر من عام كامل، تضمن عملية جمع المعلومات وتحليل آلاف الرسائل القديمة الموجودة في قوائم بريدية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، حيث كان رواد التشفير يتبادلون الأفكار حول حماية الخصوصية الرقمية وبناء أنظمة نقدية إلكترونية مستقلة عن السلطات المركزية. إضافة إلى ذلك، قام الفريق بمقارنة أنماط الكتابة والخصائص اللغوية لمؤسس البيتكوين الغامض، محاولًا رصد أي علامات أو تلميحات يمكن أن تربط بين شخصية ساتوشي وآخرين كانوا نشيطين في هذا المجال. وقد استُخدمت أدوات تحليلية متقدمة لتقييم أسلوب الكتابة، واختلاف التهجئات، واستخدام علامات الترقيم، وكذلك التعبيرات التقنية الخاصة بالبرمجة والعملات الرقمية، لتكوين صورة أدق عن صاحب الاسم المستعار.
ويشير التحقيق إلى أن آدم باك، خبير التشفير البريطاني البالغ من العمر 55 عامًا، يُعد من أقرب الأسماء المحتملة إلى الشخصية التي تقف خلف ابتكار البيتكوين، رغم نفيه القاطع لهذا الادعاء. وبحسب التقرير، كان باك عضوًا فاعلًا في حركة "سايفر بانكس" منذ أوائل التسعينيات، وهي جماعة من رواد التشفير دعا إلى استخدام التكنولوجيا لتأمين الخصوصية الرقمية وحماية الأفراد من الرقابة الحكومية. كما طوّر باك نظام هاشكاش، وهو نظام يعتمد على حل ألغاز إحصائية معقدة، وهو المفهوم الذي يشبه إلى حد كبير آلية "إثبات العمل" التي قامت عليها البيتكوين لاحقا، ما يعكس تشابهاً لافتًا في الرؤى التقنية بينه وبين ساتوشي.
التحقيق أشار أيضا إلى أوجه تشابه أكاديمية وتقنية بين الرجلين، مثل الخلفية في أنظمة الحوسبة الموزعة، واستخدام التشفير بالمفتاح العام، ومهارات الحفاظ على أمان الشبكات الرقمية. كما لوحظت تقاطعات دقيقة في أسلوب الكتابة، من استخدام تهجئات بريطانية خاصة، إلى عادات تنسيقية محددة في النصوص والبرامج، وحتى طريقة صياغة بعض المصطلحات التقنية. ومع أن التقرير لا يحسم هوية ساتوشي بشكل قاطع، فإنه يسلّط الضوء على خيوط قوية تعتبر أقوى دليل حتى الآن في محاولة فك لغز الشخصية التي ابتكرت أول عملة مشفرة في العالم.
على الرغم من كل هذه الخيوط والتحليلات، لا يزال لغز ساتوشي ناكاموتو قائماً دون حسم، ما يعكس طبيعة العالم الرقمي الذي وُلدت فيه البيتكوين، حيث يمكن لأفكار عظيمة أن تغيّر العالم دون أن يُعرف أصحابها. وربما لا تكمن أهمية كشف الهوية بقدر ما تكمن في التأثير الذي أحدثه هذا الابتكار، إذ نجحت البيتكوين في إعادة تعريف مفهوم المال والثقة، وفتحت الباب أمام نظام مالي جديد لا يعتمد على الحكومات أو البنوك.
