تستعد اثنتان من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصين للإدراج توالياً في بورصة هونغ كونغ هذا الأسبوع، في اختبار لشهية المستثمرين على قطاع ازدهر بعد ظهور «تشات جي بي تي».
ورغم كون «تشيبو» و«ميني ماكس» من أوائل المنافسين المحليين للشركات العالمية الرائدة مثل «أوبن إيه آي»، إلا أنهما سلكتا طريقين مختلفين تماماً نحو الأسواق العامة. ومن المرتقب أن تبدأ «تشيبو» التداول غداً الخميس، تليها «ميني ماكس» يوم الجمعة، في ما يعد بمثابة اختبار لثقة المستثمرين في قدرة قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني الناشئ على المنافسة عالمياً.
وتعكس الشركتان نهج الصين العملي في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تعملان برؤوس أموال محدودة، وبعدد أقل من الرقائق والموظفين مقارنة بشركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك». لكن لكل بصمة مختلفة تميزها عن الأخرى.
تأسست «تشيبو» قبل ست سنوات على يد مجموعة من الأساتذة في أعرق جامعات الصين، وتحظى بدعم مؤسسات محلية، وتقدّم في الأغلب خدماتها لها. أما «ميني ماكس»، فهي شركة ناشئة أحدث عمراً، تتبنى نموذج شركة ناشئة تقليدية، وتسعى لمنافسة «ديب سيك» و«أوبن إيه آي» من خلال روبوتات دردشة موجهة للمستهلكين داخل الصين وخارجها، بدعم من «مجموعة علي بابا» وأحد صناديق أبوظبي السيادية.
وتُدار «ميني ماكس» مثل شركة ناشئة في وادي السيليكون، إذ تعتمد في معظم إيراداتها على الاشتراكات والإعلانات من مستخدمي تطبيقاتها الخاصة، البالغ عددهم أكثر من 210 ملايين. في المقابل، تحظى «تشيبو»، المدعومة من الحكومة، بشعبية بين المؤسسات، إذ تخدم أكثر من 8000 عميل من هذا القطاع.
ويرى عادل إبراهيم، رئيس قسم الأسهم في «كلاي غروب»، التي تتخذ من سنغافورة مقراً لها، أن هذه الطروحات تعكس دورة تمويل مدفوعة بالسياسات الحكومية، في وقت تُكثف الصين استثماراتها لبناء سلاسل توريد محلية لأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
وأضاف: هناك إقبال قوي واضح من المستثمرين، ويتجلى ذلك في المكاسب الحادة التي سجلتها أسهم شركات وحدات معالجة الرسومات والذكاء الاصطناعي المدرجة مؤخراً في سوقي هونغ كونغ والبرّ الصيني.
وفي عام 2024، حققت شركة «تشيبو» إيرادات بلغت 44.7 مليون دولار، متقدمة على «ميني ماكس» التي سجّلت 30.5 مليون دولار. ورغم ذلك، تبقى هذه الإيرادات ضئيلة جداً مقارنة بإيرادات «أوبن إيه آي» السنوية التي تقدر بنحو 13 مليار دولار سنوياً، و«أنثروبيك» التي يُتوقع أن تصل إيراداتها إلى 9 مليارات دولار. مع العلم أن تقييمات «تشيبو» و«ميني ماكس» عند مستويات أكثر تواضعاً، بنحو 4 مليارات دولار لكل منهما قبل الإدراج.
وتُصنَّف «تشيبو» كإحدى أبرز الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني، ويعمل فيها نخبة من العلماء المتخرجين من جامعة «تسينغهوا» العريقة. انطلقت الشركة عام 2019 بقيادة الأكاديمي المرموق تانغ جيه، وسرعان ما بدأت العمل على تطوير بديل مفتوح المصدر لنموذج GPT-3 بعد إطلاقه من قبل «أوبن إيه آي» في منتصف 2020.
وبميزانية متواضعة لم تتجاوز 4 ملايين يوان مخصصة للقدرة الحاسوبية، نجح فريق مكوّن من 18 عالماً، من بينهم تانغ، في إنجاز النموذج خلال عامين، وفقاً لما قاله الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة زانغ بنغ.
وقال زانغ في مقابلة: عند مراجعة الميزانية العمومية، كان واضحاً أننا، في أسوأ الأحوال، لن نملك التمويل الكافي لإتمام المشروع. كان أمامنا فرصة واحدة فقط للنجاح.
وتؤمن إدارة «تشيبو» بأن الشركة الناشئة، التي تتخذ من بكين مقراً لها، تُجسّد النهج الصيني في الذكاء الاصطناعي، نهجاً مندمجاً بعمق في الاقتصاد الحقيقي وثقله الصناعي.
ويعترف زانغ بأن استخدام النماذج الخاصة داخل المؤسسات لا يحظى بالبريق الذي تتمتع به تطبيقات المستهلكين، لكنه يرى أنها تلبّي تماماً احتياجات الشركات الصينية. فالشركات الحكومية، على وجه الخصوص، لا تميل إلى استخدام النماذج مفتوحة المصدر أو البنى التحتية السحابية العامة عند بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها من الصفر، وهو ما يوفّر فرصة مثالية لـ«تشيبو».
وعلى النقيض من ذلك، تأتي شركة «ميني ماكس»، ومقرها شنغهاي، من عالم الألعاب الإلكترونية. وكان المؤسس الشريك يان جونجيه من عشّاق لعبة Dota 2، ولفتت انتباهه «أوبن إيه آي» لأول مرة عام 2019، عندما تفوقت روبوتاتها على أفضل لاعبي العالم من البشر. أثار ذلك حماسه، فغاص في أبحاث المختبر بشغف، ليقرر لاحقاً تغيير مساره المهني من الرؤية الحاسوبية إلى معالجة اللغة الطبيعية.
وطرح يان على المستثمرين خطة لتطوير وكلاء ذكاء اصطناعي يقتربون من تجاوز اختبار تورنغ، وهو ما شكك به كثيرون، كما أوضح في مقابلة. رغم ذلك، نجح في تأمين أولى جولاته التمويلية من استوديو «ميهويو»، المطوّر للعبة «جينشين إمباكت» الذي يركز مؤسسوه على تسخير الذكاء الاصطناعي لإحداث ثورة في عالم الألعاب الإلكترونية. ولا تزال «ميهويو» حتى اليوم من أبرز عملاء «ميني ماكس».
تسعى كل من «تشيبو» و«ميني ماكس» إلى نشر تقنياتهما على مستوى عالمي، مع تركيز واضح على التوسّع والنمو بدلاً من تحقيق أرباح فورية. تطرح «تشيبو» حالياً خطة ترميز بالذكاء الاصطناعي مشابهة لنموذج «كلود» من «أنثروبيك»، لكن بسعر أقل بكثير، في حين تنافس «ميني ماكس» نموذج «سورا» إلى جانب قائمة طويلة من الحلول الصينية التي تستثمر في توليد الفيديو عبر الذكاء الاصطناعي.
وتغوص الشركتان بشكل أعمق في النموذج السحابي «النموذج كخدمة»، والذي يتيح للمستخدمين تشغيل نماذجهم الخاصة وربطها بسهولة بتطبيقاتهم. لكن، كما في الولايات المتحدة، تبرز في الصين مخاوف من الإفراط في الاستثمار بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي دون مسارات واضحة لتحقيق الربحية.
وبعد اجتياز حرب أسعار شرسة عُرفت بـ«معركة المئة نموذج»، تستعد كل شركة لجمع مئات الملايين من الدولارات. وضمنت «ميني ماكس» مستثمرين أساسيين في طرحها العام الأولي، من بينهم «علي بابا» وجهاز أبوظبي للاستثمار وشركة «ميراي أسيت سيكيوريتيز» الكورية الجنوبية.
أما «تشيبو»، المقيدة بإدراجها على قائمة القيود التجارية الأميركية، فيتركز دعمها داخل الصين، ويشمل مؤسسات مثل «سي آي سي سي» وشركة «تايكانغ إنشورنس».
وبحسب بيانات طلبات القروض بالهامش المتاحة عبر تطبيق «فوتوبول» حتى بعد ظهر الأربعاء، اكتتب المستثمرون الأفراد بأكثر من 1350 ضعفاً في أسهم «ميني ماكس» المطروحة. فيما تجاوز الرقم 900 ضعفٍ في حالة «تشيبو».
وقال فيليب وين، المدير التنفيذي في «إم بي إم كابيتال»، وهي شركة لإدارة الثروات العائلية مقرها هونغ كونغ: «رغم أن الجميع يحب مشاهدة المكاسب الهائلة والتحدث عنها، إلا أن الاختبار الحقيقي سيكون بعد ستة أشهر إلى عام». وأضاف: «ما زلت أعتقد أن عمالقة التكنولوجيا الصينيين مثل بايت دانس، وعلي بابا، وتنسنت، وكوايشو، سيظلون على الأرجح في طليعة سباق الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل، مع بقاء حلول متخصصة ومجزأة تقدمها شركات أصغر حجماً».
تأتي هذه الطروحات عقب سلسلة من الإدراجات اللافتة لشركات صناعة رقائق صينية، التي تُعدّ محورية لهدف البلاد في تحقيق الاكتفاء التكنولوجي والفوز بسباق الذكاء الاصطناعي. ففي الشهر الماضي، قفز سهم شركة «مور ثريدز تكنولوجي» بنسبة 425% في أول يوم تداول له في بورصة شنغهاي، تلاه ارتفاع بنسبة 693% لشركة «ميتاكس إنتجريتد سيركتس شنغهاي».
واعتبر إبراهيم من «كلاي غروب»، إن هذه الموجة من الطروحات العامة الأولية بالغة الأهمية للحكومة الصينية، التي تبدو داعمة تماماً لمنح هذه الشركات إمكانية الوصول إلى رأس المال العام. لكنه أضاف: في الوقت نفسه، يجب على المستثمرين إدراك أن معظم هذه الشركات المدرجة حديثاً لا تزال تتكبد خسائر، ومن المرجح أن تستمر على هذا النحو لبعض الوقت أثناء توسيع نطاق أعمالها.
