خريف الأقطاب.. هل تبتلع "بريكس+" نفوذ القوى السبع الكبرى؟

 لم يعد النظام الدولي يسير على قدم واحدة؛ إذ تحول "الستار المالي" الذي بدأ يتشكل في الأعوام الأخيرة إلى واقع ملموس يفصل بين اقتصاديات القوى السبع (G7) والتحالف الصاعد "بريكس+".

نحن لا نتحدث عن منافسة تجارية عابرة، بل عن صراع وجودي على "هوية النظام العالمي" القادم، حيث تهدف التعددية القطبية الناشئة إلى إنهاء قرن من الهيمنة المنفردة وإحلال توازن جديد تقوده القوى الصاعدة في الجنوب العالمي.

ولم تعد محاولات إزاحة الدولار مجرد شعارات سياسية؛ فوفقاً للبيانات المحدثة  دخلت منصة "BRICS Pay" القائمة على تقنيات البلوكشين مراحل متقدمة من التشغيل البيني بين البنوك المركزية للكتلة.

ويؤكد الخبراء التقنيون أن هذا النظام البديل لسويفت (SWIFT) يهدف لخفض الاعتماد على الدولار في التسويات البينية، مما يوفر مليارات الدولارات سنوياً من عمولات التحويل، ويمنح دولاً مثل الصين والهند والبرازيل حصانة سيادية ضد الضغوط المالية الخارجية.

"وبحسب التقرير السنوي لبنك التنمية الجديد (NDB) لعام 2025، فإن البنك تجاوز حاجز 32 مليار دولار في تمويلات تراكمية شملت 96 مشروعاً استراتيجياً، مما يجعله المحرك المالي الأبرز لمشاريع الاستدامة والتحول الرقمي في دول 'بريكس+'."

وتتصدر الهند القائمة بمشاريع بنية تحتية كبرى، تليها البرازيل بمشاريع الطاقة المتجددة.

أما الأعضاء الجدد مثل مصر وإثيوبيا، فقد بدأوا في حصد ثمار العضوية عبر تمويلات ميسرة لمشاريع المياه والتحول الرقمي، مما عزز من قدرتهم على النمو المستدام بعيداً عن الشروط القاسية للمؤسسات الدولية التقليدية.

أمام هذا الصعود، لم تقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية مكتوفة الأيدي؛ إذ أطلقت واشنطن بالتنسيق مع بروكسل مبادرات استثمارية ضخمة مثل "البوابة العالمية" (Global Gateway) بميزانية مرصودة تقارب 300 مليار يورو

في مواجهة هذا الصعود، لم يقف المعسكر الغربي مكتوف الأيدي؛ إذ أطلقت واشنطن بالتنسيق مع بروكسل تحركات استراتيجية كبرى، تصدرتها مبادرة 'البوابة العالمية' (Global Gateway) التابعة للمفوضية الأوروبية، بميزانية مرصودة تقارب 300 مليار يورو.

وبحسب تقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA)، تهدف هذه التحركات إلى كسر التبعية وتأمين سلاسل إمداد 'سيادية' للمعادن النادرة بعيداً عن السيطرة الشرقية؛ حيث تهيمن دول 'بريكس+' حالياً على أكثر من 70% من موارد الليثيوم والكوبالت الضرورية لصناعات المستقبل. وبالتوازي مع ذلك، وبالاستناد إلى قرارات وزارة التجارة الأمريكية (BIS)، شددت واشنطن قيودها على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، في خطوة استباقية لضمان بقاء التفوق التقني النوعي حصرياً ضمن دائرة مجموعة السبع."

ومع تولي الهند رئاسة المجموعة رسمياً في 1 يناير 2026، انتقل الصراع إلى ساحة "السيادة المعرفية".

وتسعى نيودلهي لربط أسواق الكتلة عبر بنية تحتية رقمية موحدة تساهم في خفض تكاليف التجارة البينية بنسبة 15%. هذا التوجه يعزز من مكانة "بريكس+" كقطب تكنولوجي مستقل ينافس "وادي السيليكون"، ويجذب المزيد من الدول الطامحة للاستقلال عن المركزية الغربية.

ويتلخص الحصاد الاستراتيجي لمطلع هذا العام في بيانات صندوق النقد الدولي (IMF)، التي تظهر ارتفاع حصة "بريكس+" إلى نحو 37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (بمقياس تعادل القوة الشرائية)، متفوقة بوضوح على حصة مجموعة السبع التي تراجعت إلى قرابة 28%.

هذا التباين، الذي ترافقه سيطرة الكتلة على 43% من إنتاج النفط العالمي، يعلن رسمياً بداية ربيع التعددية وخريف القطب الواحد، حيث تُكتب القواعد اليوم في عواصم القوى الصاعدة من بكين ودلهي إلى القاهرة وبرازيليا.

إن الصراع في عام 2026 لم يعد حول المال فقط، بل حول من يملك حق صياغة قوانين القرن الحادي والعشرين. وإذا استمر هذا الزخم التقني والمالي للجنوب العالمي، فإن خريطة القوى الدولية لن تعود أبداً لما كانت عليه قبل عقد من الزمان.