أزمة مصرفية تطيح برئيس باراغواي.. وانهيار «أوينو» يجمّد مدخرات 2.9 مليون عميل

فجّرت أزمة انهيار مصرف «أوينو» الرقمي في باراغواي واحدة من أخطر الأزمات المالية والسياسية في البلاد، بعدما أعلن الرئيس سانتياغو بينيا استقالته، الخميس، إثر تدخل البنك المركزي لإغلاق المصرف بسبب تدهور ملاءته المالية، في أزمة عطّلت وصول نحو 2.9 مليون عميل إلى حساباتهم ومدخراتهم، وأثارت احتجاجات شعبية واسعة وضغوطاً برلمانية انتهت بالتصويت بالإجماع على بدء إجراءات عزله.

وجاء إعلان بينيا استقالته في رسالة مصورة، قال فيها إنه اتخذ القرار حفاظاً على استقرار البلاد والسلم الاجتماعي وصون المؤسسات الديمقراطية، معرباً عن أمله في ضمان إعادة أموال المودعين وحماية الأموال العامة، لكن الاستقالة لم توقف المسار البرلماني؛ إذ صوّت مجلس النواب بالإجماع، بواقع 78 صوتاً، على قرار اتهامه تمهيداً لمحاكمته أمام مجلس الشيوخ، في خطوة جاءت بعد انضمام أعضاء من حزبه الحاكم إلى المطالبين بعزله.

وبحسب أحدث التطورات، استأنف مجلس الشيوخ، الجمعة، إجراءات المحاكمة السياسية، ورفض طلب بينيا منحه مهلة إضافية مدتها 72 ساعة للتحضير للدفاع عن نفسه، بعدما أشار إلى أنه تسلم ملف الاتهامات والأدلة قبل وقت قصير من الجلسة. كما شهدت الأزمة استقالة عدد من كبار المسؤولين في الحكومة، بينهم وزير الداخلية إنريكي ريرا، ورئيس ديوان الرئاسة خافيير خيمينيز، والمستشار القانوني روبرتو مورينو.


انهيار مصرفي واسع التأثير
وتعود جذور الأزمة إلى تدخل البنك المركزي في «أوينو بنك» بعد اكتشاف مخالفات ومشكلات في الإقراض والبيانات المالية، أدت إلى هبوط نسبة الملاءة المالية للمصرف إلى أقل من 50 % من الحد الأدنى المطلوب قانوناً.

وقرر البنك المركزي بدء إجراءات تصفية وتسوية المصرف، مع تعطيل خدماته وإغلاق فروعه، وبدء ترتيبات لحماية المودعين ونقل حساباتهم إلى مؤسسات مالية أخرى.

وكان «أوينو» قد تحول خلال سنوات قليلة من شركة تمويل محدودة النشاط إلى أحد أبرز المصارف الرقمية في باراغواي، مستقطباً نحو 2.9 مليون عميل، أي ما يعادل نسبة كبيرة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 6.5 ملايين نسمة. كما توسع في خدماته وانتشرت فروعه، وأصبح من العلامات المصرفية المعروفة في السوق المحلية، قبل أن تتكشف مشكلات تتعلق بجودة أصوله وإقراض شركات مرتبطة بمساهميه.

وأظهرت التحقيقات الأولية شبهات تتعلق بمنح قروض كبيرة لشركات مرتبطة بالمساهم المسيطر في المجموعة المالكة للمصرف، من دون ضمانات كافية، إلى جانب احتساب مصروفات ضمن الأصول على نحو غير صحيح. وأدى تصحيح البيانات المالية إلى كشف فجوة كبيرة في رأس المال، دفعت السلطات إلى التدخل.


أموال عامة وشبهات تضارب مصالح
وتحولت الأزمة المصرفية إلى قضية سياسية بسبب الروابط التجارية السابقة للرئيس بينيا بالمجموعة المالكة للمصرف، إذ كان يمتلك حصة في الشركة القابضة المرتبطة بـ«أوينو»، قبل أن يقول إنه تخارج من استثماره في مارس 2025. كما أثارت ودائع واستثمارات مؤسسات عامة في المصرف تساؤلات بشأن الرقابة وتضارب المصالح.

ووفقاً لوكالة «إيفي»، بلغت استثمارات معهد الضمان الاجتماعي الحكومي في المصرف نحو 355 مليون دولار، بما يعادل قرابة 9 % من محفظته الاستثمارية، في حين كان «أوينو» يدير أموالاً عامة تقدر بنحو 800 إلى 850 مليون دولار، تشمل أموال مؤسسات حكومية وصناديق تقاعد وجهات مرتبطة بقطاع الطاقة الكهرومائية.

واتهم نواب الرئيس بالتقصير في الرقابة والتعامل مع التحذيرات المتعلقة بالمصرف، فضلاً عن شبهات تتعلق بتوظيف الأموال العامة وتضارب المصالح. في المقابل، نفى بينيا ارتكاب مخالفات، وأكد استعداده للتعاون مع التحقيقات.

وأمر الادعاء العام بفتح ثلاثة تحقيقات جنائية تتناول أزمة المصرف، من بينها صلات الرئيس السابق بالمؤسسة، وطريقة تعامل الجهات الرقابية مع تعثرها، وكيفية توظيف الأموال العامة فيها. كما صدرت مذكرات توقيف بحق ثمانية من كبار مسؤولي المصرف، في حين استقال رئيس البنك المركزي كارلوس كارفالو عقب التدخل في «أوينو»، وسط تدقيق في علاقته السابقة بالمؤسسة.


حماية المودعين واحتواء التداعيات
وعلى صعيد المودعين، أعلنت السلطات تفعيل صندوق ضمان الودائع، الذي يغطي ما يصل إلى 75 حداً أدنى للأجور، بما يعادل نحو 38.6 ألف دولار لكل شخص أو جهة اعتبارية وفق التقديرات المنشورة. كما تحدثت السلطات عن دفعة أولية تصل إلى 10 ملايين غواراني، أي نحو 1675 دولاراً، ضمن ترتيبات إعادة الأموال.

وأدى توقف خدمات المصرف إلى ازدحام أمام فروعه وتعطل وصول العملاء إلى مدخراتهم ورواتبهم ومعاشاتهم، كما امتدت التداعيات إلى تطبيقات مصرفية أخرى مع تزايد طلبات فتح الحسابات الجديدة.

وشهدت العاصمة أسونسيون احتجاجات شارك فيها مودعون ومتقاعدون وعاملون، مطالبين باستعادة أموالهم ومحاسبة المسؤولين.

ورغم اتساع الأزمة، أكدت السلطات أن التدخل يتعلق بمصرف «أوينو» تحديداً، وأن النظام المصرفي في البلاد يتمتع بالسلامة، في محاولة لاحتواء مخاوف انتقال العدوى إلى مؤسسات مالية أخرى، لكن استمرار التحقيقات والمحاكمة السياسية يجعل تداعيات الأزمة مرشحة للبقاء في صدارة المشهد الاقتصادي والسياسي في باراغواي خلال الفترة المقبلة.