انتقدت هيلين ميلر، مديرة معهد الدراسات المالية البريطاني، الإعفاء الضريبي الجديد المخصص لمؤسسي الشركات، واصفة إياه بأنه وسيلة «سيئة للغاية» لدعم ريادة الأعمال، محذرة من أن تصميمه قد يدفع أصحاب الشركات الناجحة إلى بيع حصصهم مبكراً للاستفادة من الميزة الضريبية، بدلاً من مواصلة التوسع وبناء شركات أكبر على المدى الطويل.
وجاءت تصريحات ميلر خلال جلسة استماع أمام لجنة الخزانة في البرلمان البريطاني، لمناقشة موازنة 2026، بعد إعلان وزير الخزانة جون هيلي عن نظام جديد يحمل اسم «إعفاء المؤسسين» (Founders’ Relief)، ويمنح المؤسسين المؤهلين معدل ضريبة مخفضاً على الأرباح الرأسمالية يبلغ 10 %، على مكاسب تراكمية تصل إلى 10 ملايين جنيه إسترليني للفرد طوال حياته.
ومن المقرر تطبيق الإعفاء على عمليات بيع الأسهم المؤهلة اعتباراً من 6 أبريل 2027، مقارنة بالمعدلات الحالية لضريبة الأرباح الرأسمالية على الأسهم، والبالغة 18 % أو 24 % بحسب ظروف دافع الضريبة. وتقول الحكومة إن الهدف هو تشجيع تأسيس الشركات المبتكرة وتوسيع أعمالها داخل بريطانيا، والاحتفاظ بالمؤسسين الناجحين في الاقتصاد المحلي، بما يتيح لهم إعادة استثمار عوائد التخارج في مشروعات جديدة.
ميزة للمؤسسين بعد النجاح
ترى ميلر أن الإعفاء لا يعالج العقبات التي تواجه الشركات في مراحلها الأولى، بل يتركز أثره على المؤسسين الذين نجحوا بالفعل في بناء شركات وتحقيق مكاسب كبيرة. ووفق تقديرات مصلحة الضرائب البريطانية التي أوردتها «رويترز»، قد يصل متوسط المنفعة الضريبية للفرد المستفيد إلى نحو 500 ألف جنيه إسترليني.
وحذرت من أن الحافز قد يخلق سلوكاً معاكساً للهدف المعلن منه، إذ يمكن أن يشجع المؤسس على بيع شركته بعد فترة من النمو القوي، للاستفادة من معدل الضريبة المنخفض، بدلاً من الانتظار حتى تنضج الشركة وتصل إلى مرحلة أكبر من التوسع قبل التخارج.
وقالت ميلر إنها لا ترى كيف يمكن أن يكون هذا الإجراء متوافقاً مع الأدلة الاقتصادية المتعلقة بريادة الأعمال، معتبرة أن منح ميزة ضريبية عند بيع الشركات لا يعني بالضرورة زيادة الاستثمار أو تحسين الإنتاجية أو دعم الشركات الناشئة في مراحل نموها الأولى.
شروط الاستفادة من الإعفاء
ولا يشمل النظام جميع أصحاب الشركات، إذ تضع وزارة الخزانة شروطاً تتعلق بالمؤسس والشركة معاً. وتشمل الشروط المقترحة أن يكون المؤسس قد امتلك ما لا يقل عن 25 % من رأس المال العادي للشركة عند بدء نشاطها، وأن يحتفظ بالأسهم لمدة خمس سنوات ضريبية على الأقل قبل بيعها، إلى جانب الإقامة الضريبية في المملكة المتحدة لمدة خمس سنوات متصلة قبل عملية البيع.
أما الشركة، فيجب أن تكون خاضعة لضريبة الشركات البريطانية، ولها حضور فعلي في المملكة المتحدة خلال السنوات المحاسبية الخمس السابقة للبيع، وأن تواصل النشاط التجاري الذي تأسست من أجله. كما يتعين أن تبلغ إيراداتها السنوية 10 ملايين جنيه إسترليني على الأقل، وأن توظف ما لا يقل عن 15 موظفاً بدوام كامل أو ما يعادلهم في السنة السابقة للتخارج.
ويُشترط كذلك تحقيق اثنين على الأقل من ثلاثة معايير للنمو والابتكار: نمو سنوي مركب في الإيرادات لا يقل عن 25 % على مدى ثلاث فترات محاسبية متتالية، أو نمو مماثل في عدد الموظفين، أو إنفاق مؤهل على البحث والتطوير لا يقل عن 1.5 مليون جنيه إسترليني مع المطالبة بإعفاءات ضريبية عن هذا الإنفاق. وتُستبعد أنشطة معينة من الاستفادة، من بينها التعامل في الأراضي والخدمات المالية والتطوير العقاري.
وتشير الوثائق الحكومية إلى أن النظام يستهدف نحو 600 فرد سنوياً، فيما يُتوقع أن تكون هناك قرابة 400 شركة سنوياً لديها مؤسسون أو مستثمرون قد يستوفون شروط الإعفاء.
تكلفة على الخزانة
تقدر وزارة الخزانة أن تبلغ التكلفة الإجمالية للإعفاء نحو 1.3 مليار جنيه إسترليني خلال الفترة من السنة المالية 2027 - 2028 إلى 2031 - 2032، مع توزيع التكلفة السنوية على نحو 260 مليون جنيه في السنة الأولى، و180 مليوناً في السنة الثانية، ثم 260 مليوناً و285 مليوناً و300 مليون جنيه في السنوات التالية.
ويعني ذلك أن الخزانة ستتحمل انخفاضاً في الإيرادات الضريبية مقابل منح فئة محدودة من المؤسسين والمستثمرين ميزة عند بيع الأسهم. وتقول الحكومة إن هذا الإنفاق الضريبي يستهدف مكافأة المخاطرة والابتكار، وتعزيز قدرة بريطانيا على الاحتفاظ بالشركات ذات النمو المرتفع، وتشجيع المؤسسين على إعادة استثمار عوائدهم في الاقتصاد المحلي.
وفي المقابل، يتركز الخلاف حول مدى قدرة تخفيض ضريبة الأرباح الرأسمالية على تحقيق هذه الأهداف، وما إذا كان الأثر الأكبر سيذهب إلى تحفيز تأسيس الشركات وتوسيعها، أم إلى زيادة العائد الصافي للمؤسسين عند التخارج.
الاحتفاظ بالشركات الناجحة
وتأتي هذه المناقشة في ظل قلق متكرر لدى صناع القرار البريطانيين بشأن انتقال الشركات الواعدة إلى ملكية مجموعات أجنبية، أو بيعها قبل أن تتحول إلى شركات عالمية مستقلة. وتُعد شركة «ديب مايند» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، التي استحوذت عليها «جوجل» عام 2014، أحد الأمثلة التي أُشير إليها في النقاش حول قدرة بريطانيا على الاحتفاظ بشركاتها الأكثر نجاحاً.
وكان هيلي قد قال في خطاب الموازنة إن الحكومة تريد مكافأة رواد الأعمال الذين يتحملون المخاطر ويسهمون في خلق الثروة والوظائف، مع منحهم فرصة إعادة استثمار عوائدهم في شركات بريطانية جديدة. ولم يصدر تعليق فوري من وزارة الخزانة على انتقادات ميلر، وفقاً لـ«رويترز».
ولا تزال التفاصيل التنفيذية للإعفاء قيد التشاور الفني الذي أطلقته وزارة الخزانة في 28 أكتوبر، على أن يُغلق باب تقديم الملاحظات في 30 نوفمبر 2026، قبل إدراج التشريع ضمن مشروع قانون المالية للفترة 2026 - 2027.
جدل في بريطانيا حول الإعفاء الضريبي الجديد لرواد الأعمال

