500 مليون دولار.. غرامة محتملة لـ«برايس لاين» بسبب حجوزات فنادق مضللة

تستعد لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية لاتخاذ إجراءات ضد شركة «Booking Holdings»، المالكة لمنصة «برايس لاين»، على خلفية ممارسات إعلانية يُشتبه في أنها أوهمت مستهلكين بأنهم يتجهون مباشرة إلى المواقع الرسمية للفنادق، بينما كانت الإعلانات تحولهم في الواقع إلى موقع تابع لطرف ثالث هو «Guest Reservations»، حيث قد يواجه العملاء أسعاراً ورسوماً إضافية أعلى.
وبحسب مصدرين مطلعين تحدثا إلى «رويترز»، تدرس اللجنة علاقة «Booking Holdings» بـ«Guest Reservations»، وما إذا كانت المواقع التابعة للأخيرة تخالف قواعد تحظر انتحال صفة شركات أخرى، إضافة إلى مخالفات محتملة مرتبطة بالإفصاح عن الرسوم والأسعار. وقد تصل الغرامات المحتملة، وفق أحد المصدرين، إلى أكثر من 500 مليون دولار، لكن لم يصدر قرار نهائي بالعقوبة حتى الآن.
وتراجعت أسهم Booking Holdings 1.4% بعد نشر التقرير، قبل أن تقلص خسائرها إلى نحو 0.2% في أحدث التعاملات، في إشارة إلى حساسية المستثمرين تجاه المخاطر التنظيمية التي قد تتحول من مجرد تكلفة مالية إلى ضغط على نموذج الأعمال والسمعة.
من الإعلان إلى الحجز
تتمحور القضية حول تجربة يواجهها بعض المسافرين عند البحث عن موقع فندق عبر محركات البحث. فقد يظهر إعلان يبدو للمستخدم وكأنه يقوده إلى الموقع الرسمي للفندق، بينما يكون الرابط في الحقيقة موجهاً إلى وسيط مستقل يقدم خدمة الحجز.
وتقول المصادر إن لجنة التجارة الفيدرالية تركز على ما إذا كانت مواقع «Guest Reservations» تستخدم أسماء وعلامات الفنادق بطريقة تجعل المستهلك يعتقد أنه يتعامل مباشرة مع الفندق، وكذلك على الرسوم التي تظهر في مراحل متأخرة أو تكون أعلى من الأسعار التي كان العميل يتوقعها.
ولا يأتي هذا الملف بمعزل عن شكاوى المستهلكين. فقد كان موقع «Guest Reservations» محور أكثر من ألف شكوى لدى «مكتب الأعمال الأفضل» الأمريكي، وقال عدد من العملاء إنهم اعتقدوا أنهم يحجزون مباشرة مع الفنادق، قبل أن يواجهوا رسوماً مفاجئة أو صعوبات في التواصل مع خدمة العملاء أو إلغاء الحجوزات.
علاقة «برايس لاين» بموقع الحجز
تكمن حساسية القضية بالنسبة إلى «Booking Holdings» في أن «Guest Reservations» لا يعمل بعيداً عن منظومة المجموعة. ووفق دعوى قضائية مستمرة رفعتها مدينة سان فرانسيسكو، توفر «Priceline Partner Solutions»، التابعة لـ«Booking Holdings»، مخزون غرف الفنادق لموقع «Guest Reservations».
وكانت مدينة سان فرانسيسكو قد رفعت دعوى في يوليو ضد «Guest Reservations» و«BookOnline.com» و«Booking Holdings»، متهمة الأطراف باستخدام مواقع وإعلانات توحي للمستخدمين بأنهم يحجزون مباشرة مع الفندق، فيما قد يدفع بعضهم أسعاراً أعلى بكثير من الأسعار المباشرة. وتقول الدعوى إن الفارق في بعض الحالات بلغ 85%.
وتجعل هذه الدعوى العلاقة بين المنصة الكبرى والوسطاء التابعين لطرف ثالث أكثر أهمية، إذ لا تقتصر المسألة على تصميم إعلان مضلل، وإنما تمتد إلى السؤال حول مسؤولية المنصة التي توفر مخزون الغرف والتكنولوجيا وخدمات الدفع أو البنية التشغيلية عن الممارسات التي ينتهجها الشريك.
في المقابل، لم تقر «Booking Holdings» بهذه الاتهامات، وتؤكد «برايس لاين» أنها تعمل بما يتوافق مع قوانين حماية المستهلك.
تحذير سابق
كانت «Booking Holdings» قد كشفت في إفصاحها المالي الفصلي في أغسطس أن موظفي لجنة التجارة الفيدرالية أبلغوا «برايس لاين» في يوليو بأنهم يعتزمون التوصية للجنة بتقديم شكوى ضدها وضد شريك لها من قطاع الأعمال، بسبب ممارسات يُشتبه في أنها غير عادلة أو مضللة تتعلق بالإفصاحات والرسوم وخدمة العملاء والفوترة.
وقالت الشركة آنذاك إنها لا توافق على موقف اللجنة، وإنها تجري مباحثات معها لتسوية القضية. كما حذرت من أن نتائج التحقيق قد تتضمن التزامات بتغيير ممارسات العمل أو تعويضات أو غرامات، بما قد يؤثر في الأعمال والنتائج المالية والسمعة.
ويكشف هذا الإفصاح أن التحقيق لم يبدأ مع تقرير «رويترز» الحالي، بل كان معروفاً للمستثمرين منذ الصيف، إلا أن التفاصيل الجديدة بشأن «Guest Reservations» وحجم العقوبة المحتملة تمنح القضية بعداً أكثر تحديداً.
لماذا تشدد «التجارة الفيدرالية»؟
يأتي التحرك ضمن توجه أوسع للجنة التجارة الفيدرالية للتركيز على حماية المستهلك من الممارسات الرقمية التي ترفع التكلفة أو تخفي المعلومات الأساسية.
وكان رئيس اللجنة، أندرو فيرجسون، قد تحدث في سبتمبر عن تحقيقات الوكالة في ممارسات إعلانية مضللة، بما فيها الإعلانات التي تقود المستخدمين إلى مواقع تبدو وكأنها تابعة للفنادق. وقال إن ملايين الأمريكيين قد لا يكتشفون طبيعة عملية الحجز إلا بعد إتمام الإقامة ودفع رسوم مرتفعة.
كما أعلنت اللجنة أنها تدرس قواعد جديدة لمواجهة الإعلانات الرقمية الاحتيالية وتوضيح مسؤولية المنصات الإلكترونية عن تسهيل ظهور مثل هذه الإعلانات، في وقت تتزايد فيه قيمة التجارة الرقمية واعتماد المستهلك على نتائج محركات البحث للوصول إلى الخدمات.
لا يقتصر اهتمام فيرجسون على السفر؛ إذ قال في سبتمبر أيضاً إن اللجنة تدرس استخدام التسعير الشخصي الذي يعتمد على بيانات المستهلك لتحديد الأسعار، وتبحث في سبل تطبيق القوانين القائمة على الممارسات الرقمية الجديدة بدلاً من انتظار تشريعات جديدة في كل مجال.
الفنادق بين المنصات والبيع المباشر
تسلط القضية الضوء كذلك على التوتر المستمر بين سلاسل الفنادق ومنصات الحجز الإلكتروني. فالفنادق تسعى منذ سنوات إلى زيادة الحجوزات المباشرة لتجنب العمولات ورسوم الوسطاء والحصول على علاقة أكثر مباشرة مع العميل.
لكن منصات مثل «Booking.com» و«Expedia» لا تزال مصدراً مهماً للحجوزات بالنسبة إلى كبرى السلاسل الفندقية، ما يجعل شركات الفنادق أمام معادلة صعبة بين الوصول إلى عدد أكبر من العملاء والحفاظ على السيطرة على تجربة الحجز.
وقال متحدث باسم الجمعية الأمريكية للفنادق والإقامة إن مواقع الحجز التابعة لأطراف ثالثة، التي تربك المستهلكين بشأن علاقتها بالفنادق أو تعرض أسعاراً ومخزوناً غير دقيقين، تمثل مشكلة مستمرة للقطاع.
كما أشارت لورا لي بليك، الرئيسة التنفيذية لـ«جمعية مالكي الفنادق الآسيويين الأمريكيين»، إلى أن أصحاب الفنادق والعاملين فيها هم غالباً من يتحملون شكاوى النزلاء عندما تقع مشكلات في حجوزات تمت عبر مواقع خارجية.
أثر محتمل
إذا انتقلت القضية من التحقيق إلى شكوى رسمية ثم تسوية أو حكم، فإن التأثير المحتمل على «Booking Holdings» لن يقتصر بالضرورة على الغرامة المالية.
فقد تواجه الشركة تكاليف مباشرة، وتغييرات في طريقة الإعلانات وشبكة الشركاء والإفصاح عن الرسوم، إضافة إلى مخاطر على السمعة. كما يمكن أن تشكل أي تسوية سابقة جديدة معياراً لتعامل اللجنة مع منصات السفر الأخرى والوسطاء الرقميين.
وتكتسب القضية أهمية أكبر لأن «Booking Holdings» تعمل على نطاق هائل؛ فقد سجلت في الربع الثاني من 2026 نحو 325 مليون ليلة فندقية وحجوزات إجمالية بقيمة 51 مليار دولار وإيرادات بلغت 7.4 مليارات دولار.
وهكذا، فإن جوهر النزاع يتجاوز موقعاً إلكترونياً بعينه إلى سؤال أوسع حول حدود مسؤولية منصات السفر الكبرى عن سلوك الأطراف التي تعمل ضمن شبكاتها، ومدى قدرة الجهات التنظيمية على حماية المستهلك في سوق أصبحت فيه الحدود بين منصة الحجز والوسيط والإعلان الرقمي أقل وضوحاً من أي وقت مضى.
وفي الوقت الراهن، لا تزال القضية في مرحلة التحقيق والتحرك التنظيمي المحتمل، ولم تصدر لجنة التجارة الفيدرالية شكوى نهائية أو عقوبة بقيمة 500 مليون دولار. كما تظل الاتهامات محل نزاع ولم يصدر حكم قضائي بشأنها.