السلك الذي بدا قبل أعوام علامة على جهاز قديم عاد ليتدلى من آذان المشاهير وطلاب الجامعات، وهذه المرة بوصفه اختياراً لا اضطراراً.. كان يفترض أن تختفي السماعات السلكية بهدوء، فقد نزعت شركات الهواتف منفذها التقليدي، وقدمت السماعات اللاسلكية بوصفها المستقبل، واعتاد الناس شحن علبة صغيرة إلى جانب الهاتف والساعة.
وتشير الأرقام إلى أن العودة ليست مجرد مشهد على منصات التواصل، فبعد خمسة أعوام متتالية من التراجع، نمت مبيعات السماعات السلكية في الولايات المتحدة بنسبة 3% خلال 2025، بما يعادل نحو 15 مليون دولار، ثم تسارع النمو إلى 10% في النصف الثاني من العام، قبل أن تقفز المبيعات 20% خلال الأسابيع الأولى من 2026، وفق بيانات شركة «Circana» لأبحاث السوق.
والدليل الأقوى جاء من شركة «بوز»، التي قررت العودة إلى إنتاج السماعات السلكية بعد غياب استمر 11 عاماً، إذ قال رئيس قطاع المنتجات الصوتية الاستهلاكية في الشركة إنه لاحظ انتشارها بين طلاب الجامعات والمراهقين، لتطور الشركة سماعتها الجديدة خلال ثمانية أو تسعة أشهر فقط.
وقد تبدو العودة مدفوعة بالحنين إلى مطلع الألفية، لكنها في جانب كبير منها رد عملي على المتاعب التي أضافتها التكنولوجيا باسم الراحة، فالسماعة اللاسلكية تحتاج إلى الشحن والاقتران وتحديث البرامج، وقد ترفض الاتصال في اللحظة الخطأ أو تتصل بجهاز آخر، فيما تحتاج بطاريتها بعد سنوات إلى الاستبدال أو تتحول السماعة كلها إلى نفاية إلكترونية.
أما السماعة السلكية فتعمل بمجرد توصيلها، لا تسأل عن نسبة البطارية، ولا تحتاج إلى البحث عنها في قائمة «البلوتوث»، ولا تخشى أن تنفد طاقتها في منتصف الرحلة، وقد تتشابك في الجيب، لكن عقدتها مرئية ويمكن حلها، على عكس المشكلات اللاسلكية التي تختبئ أحياناً داخل إعدادات الهاتف.
ويلعب السعر دوراً مهماً أيضاً، فالمستهلك الذي لا يريد دفع مبلغ كبير مقابل سماعة صغيرة معرضة للضياع يجد في النماذج السلكية خياراً أقل كلفة وأطول استخداماً، ويرى محللون في «Circana» أن جزءاً من النمو قد يعود إلى انتقال المستهلكين نحو بدائل أبسط وأرخص في ظل ضغوط الإنفاق.
كما يمنح الاتصال المباشر السماعات السلكية زمناً أقل لنقل الصوت، وهي ميزة مهمة للاعبين والموسيقيين ومن يعملون في تحرير الصوت والفيديو، بينما لا تعني عودتها أن كل نموذج سلكي يقدم صوتاً أفضل من كل سماعة لاسلكية، فالجودة تعتمد على التصميم والمكونات، لكن السلك يزيل ضغط الصوت الناتج عن الاتصال اللاسلكي في بعض الحالات، ويقدم أداء ثابتاً من دون انقطاع أو تأخير ملحوظ.
ومع ذلك، لا تعود المنتجات القديمة بقوة الوظيفة وحدها، بل تحتاج إلى صورة جديدة، وقد وجدت السماعات السلكية هذه الصورة على آذان مشاهير مثل زوي كرافيتز وبيلا حديد وكيندال جينر وهايلي بيبر وهاري ستايلز، فتحول السلك الأبيض أو الملون إلى جزء ظاهر من الملابس، بعد أن كانت الصناعة تنفق أعواماً على محاولة إخفائه.
ويحمل السلك اليوم رسالة تناقض ما كان يمثله في السابق، فبدلاً من أن يكون دليلاً على التأخر التقني، أصبح نوعاً من الرفض الهادئ لفكرة أن كل شيء يجب أن يكون ذكياً ولاسلكياً وقابلاً للتحديث، وهو ينسجم مع عودة الكاميرات الرقمية القديمة وأجهزة تشغيل الأسطوانات والهواتف البسيطة، حيث يبحث المستخدم عن جهاز يؤدي وظيفة واحدة من دون أن يطلب حساباً أو تطبيقاً أو شاحناً إضافياً.
هناك أيضاً شعور بالخصوصية، فالصوت ينتقل عبر اتصال مباشر بدلاً من موجات «البلوتوث»، لكن ذلك لا يجعل الهاتف أو المحتوى آمناً بصورة مطلقة، ولا يعني أن السماعات اللاسلكية تشكل خطراً يومياً على المستخدم، لذلك تبدو الخصوصية هنا جزءاً من الشعور بالسيطرة أكثر من كونها السبب الرئيسي للعودة.
واللافت أن الجيل الذي أعاد السلك ليس الجيل الذي اضطر إلى استخدامه، فبالنسبة إلى كثير من أبناء الجيل «زد» و«ألفا»، تبدو السماعات السلكية قطعة قديمة بما يكفي لتصبح جديدة، فهي تذكرهم بزمن لم يعيشوه كاملاً، حين كان الجهاز يؤدي مهمته من دون إشعارات عن البطارية أو محاولات اتصال فاشلة.
لا تعني هذه العودة نهاية السماعات اللاسلكية، فهي ستظل أكثر راحة أثناء الرياضة والتنقل، لكن نمو السلك يكشف حدود الفكرة القائلة إن التقنية تتحرك دائماً في خط مستقيم، فالمستهلك لا يختار الجديد لأنه جديد فقط، بل يختار ما يعمل عندما يحتاج إليه.

