جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومه الحاد على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق، جيروم باول، داعياً إلى إرغامه على الاستقالة من عضوية مجلس محافظي البنك المركزي، بناء على ما خلصت إليه نتائج تحقيق بشأن سوء إدارة مشروع تجديد المقر الرئيس للبنك، بحسب بلومبرج.
وفي تصريحات جديدة أدلى بها من المكتب البيضاوي، هاجم ترامب رئيس البنك السابق، قائلاً: «جاي باول كارثة». وعند سؤاله عما إذا كان يتوقع أن يساعد رئيس الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، في إزاحة باول من مجلس المحافظين، أجاب ترامب بأن وارش «سيتصرف وفق ما يراه مناسباً بقرار مستقل».
وكان ترامب قد كتب عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستخدماً لقبه التهكمي المعتاد لباول: «لقد تجاوزت تكلفة تجديد المبنى الميزانية المحددة بمعدلات قياسية، وعلى أقل تقدير، يجب إرغام باول «المتأخر دوماً» على الاستقالة من المجلس».
وأضاف ترامب في منشور آخر «الخطأ يقع بالكامل على عاتق جيروم باول، ويجب إرغامه على الاستقالة فوراً! وإذا لم يستقل، فيجب على الحكومة الأمريكية مقاضاته على أعلى مستوى، إما بتهمة الفساد، أو بعدم الكفاءة، وكلاهما أمر لا يمكن قبوله على الإطلاق».
وأوضح الرئيس الأمريكي أنه وجّه مدعي عام الولايات المتحدة، تود بلانش، لدراسة تقرير المفتش العام، و«اتخاذ القرار المناسب بشأن الإجراءات الواجب اتخاذها».
وجاءت تصريحات ترامب عقب صدور تقرير عن هيئة الرقابة الداخلية التابعة للبنك الفيدرالي، أكد عدم وجود أي أدلة على شبهة جنائية أو «سلوك إداري خاطئ» يرتبط بمشروع التجديد، البالغة تكلفته 2.4 مليار دولار.
وأكد مكتب المفتش العام التابع للاحتياطي الفيدرالي في تقريره: «لم نجد في أي مرحلة من مراحل التقييم أسباباً معقولة تدعو للاعتقاد بوقوع انتهاك للقانون الجنائي الفيدرالي يستدعي الإحالة إلى المدعي العام الأمريكي، وفقاً لقانون المفتش العام».
ورغم ذلك، رصد التقرير سلسلة عثرات وسوء إدارة، التي أدت إلى تضخم تكلفة المشروع، مقارنة بالتقديرات الأولية الصادرة عام 2020، والتي كانت تقف عند 1.3 مليار دولار. وكشفت هيئة الرقابة أن مجلس محافظي الفيدرالي لم يتحرك لمعالجة السلبيات المرتبطة بتجاوز التكاليف في مشروع سابق، ولم يطبق التوصية الخاصة بفرض سقف معلن ومحدد للتكلفة، فضلاً عن إغفاله طلب تقديرات شاملة لتكاليف الإنشاءات وآلية حوكمة غير مؤهلة لإدارة مشروع بهذا الحجم.
وعزت هيئة الرقابة و«الفيدرالي» ارتفاع التكاليف، إلى التعديلات المتكررة على التصاميم، وطبيعة موقع البناء، وضغوط التضخم، إضافة إلى التعقيدات الهندسيّة المحيطة بالبناء، خاصة الأعمال تحت الأرض، في موقع كان يمثل مستنقعاً بالقرب من حوض «تايدال» المحاذي لنهر بوتوماك.
وفي رد رسمي ضمنه التقرير، أكد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، أن البنك المركزي سيلتزم بتنفيذ كل التوصيات الصادرة، مشيراً إلى أن إدارة الخدمات العامة، المعنية بإدارة المباني الحكومية الفيدرالية، ستتولى مهام الإدارة التنفيذية للمشروع، بالتعاون مع البنك لاستكماله، مع تكليف مكتب تدقيق مستقل لمراجعة وفحص كافة المصاريف والتكاليف.
وأضاف وارش في رسالة وجهها إلى مايكل هورويتز، المفتش العام الذي عيّنه باول في منصبه خلال يونيو 2025: «هناك دروس مستفادة بليغة من هذه التجربة، وسيكون لهذه الدروس قيمة استراتيجية مستدامة لأعضاء مجلس المحافظين القادمين». من جانبها، امتنعت أمانة السر والمتحدث باسم الاحتياطي الفيدرالي عن التعليق على تصريحات ترامب الأخيرة.
وطوال فترة قيادة باول للبنك المركزي، واصل ترامب توجيه انتقادات حادة له بشأن اتجاهات السياسة النقدية، متخذاً من ملف تجديد المقر ذريعة وأداة ضغط سياسية. وصمد باول أمام ضغوط ترامب لإزاحته، وقرر الاستمرار في البنك بصفته عضواً في مجلس المحافظين عقب انتهاء ولايته كرئيس للبنك في مايو الماضي، حيث تتواصل ولايته كعضو محافظ حتى يناير 2028.
يذكر أن تعيين أعضاء مجلس محافظي البنك المركزي يتم عبر ترشيح من رئيس الدولة، وموافقة رسمية من مجلس الشيوخ، فيما ينص قانون «الاحتياطي الفيدرالي» صراحة على منع الرئيس من إقالة أي عضو في مجلس المحافظين، إلا في حالة ثبوت «سبب قانوني موجِب».
ولفتت كاثرين جادج، أستاذة القانون بجامعة كولومبيا، إلى أن تقرير الرقابة الداخلية لم يستفض في تناول الدور المباشر الذي لعبه باول في الإشراف الميداني، مشيرة إلى أنه «لا توجد إجابة حاسمة حول حجم الوقت الذي ينبغي لرئيس البنك تكريسه لهذا النوع من الإشراف الإداري، بالنظر إلى ثقل مسؤولياته الرئيسة».
ويرى مارك سبيندل مؤسس شركة «بوتوماك ريفر كابيتال»، أنه رغم عدم صدور تهديد صريح بإقالة باول، فإن رد الفعل الأخير يسلط الضوء على ضغوط البيت الأبيض المتواصلة لإعادة صياغة هيكل مجلس صنع السياسة النقدية. وأضاف: «إن استياء ترامب من باول لا تحده حدود، لكن الكونجرس والمحاكم الفيدرالية وقفت إلى جانب البنك المركزي، وحافظت على استقلاليته، وستواصل القيام بهذا الدور».

