بدأت «ملاذات الغضب» التي تنظمها كريستينا ماكمينامين على نطاق ضيق؛ وكانت فعاليات مشروعها، الذي أطلقت عليه اسم «ريج هير» (RAGEher)، تقتصر على مجموعات قليلة تضم كل منها 12 امرأة في مدينة شيكاجو الأمريكية. وكانت المشاركات يجتمعن في مساحة تجارية فارغة استأجرتها كريستينا مقابل 100 دولار، حيث يبسطن أذرعهن، ويطلقن صرخات حادة من الأعماق، ويضربن بقبضاتهن على وسائد محشوة، ويهوين بالمضارب على المراتب. وفي وقت لاحق، قد تنهي بعضهن الجلسة بالسقوط على الأرض في حالة بكاء، بعد أن يستهلك هذا الجهد البدني طاقتهن العاطفية بالكامل.
قوائم انتظار
واليوم، ينظم مشروع «ريج هير» جلسات منتظمة في مركز للفنون بمدينة شيكاغو، إضافة إلى مدينة سان دييغو التي تقيم فيها كريستينا حالياً. كما امتدت الفعاليات المؤقتة إلى مدن أمريكية أخرى مثل أتلانتا وأوستن، فضلاً عن مدن عالمية مثل لندن في بريطانيا وبورتو في البرتغال. وتستنفد التذاكر المخصصة للجلسات بانتظام، مع قوائم انتظار طويلة لأشخاص على استعداد لدفع ما يصل إلى 95 دولاراً مقابل جلسة واحدة تستغرق ساعتين ونصف الساعة.
عندما يصاب الطفل بنوبة غضب، يتساءل الوالدان عادة عن الخطأ الذي ارتكباه. أما عندما يصاب الكبار بنوبة مماثلة هذه الأيام، فإن المحيطين بهم قد يتساءلون كيف يمكن الانضمام إليهم. فلقد أصبح الطلب على نوبات الغضب المنظمة كبيراً لدرجة أنه خلق صناعة مزدهرة تركز على تفريغ شحنات الغضب في تجمعات تستمر من بضع ساعات إلى عدة أيام. ويفضل البعض الأسلوب الذاتي الفردي، بينما يتقاضى آخرون آلاف الدولارات لمساعدة الناس على الترويح عن أنفسهم وتفريغ شحناتهم النفسية ضمن مجموعات.
ويرجع تاريخ التعبير الجماعي عن الغضب بالصراخ البدائي إلى نساء اليونان القديمة اللاتي كن يلجأن إلى الجبال للصراخ معاً. ومن الأمثلة الأحدث على ذلك حالة الغضب الجماعي التي ظهرت في مطلع هذا العقد بسبب الجائحة، وحظر التجول الإجباري، ومقتل جورج فلويد.
4,000 دولار
أما تحويل هذا الغضب إلى نشاط تجاري يدر أرباحاً فهو أمر حديث. ففي عام 2023، حظيت ميا بالدوتشي، المعروفة أيضاً باسم «ميا ماجيك»، بشهرة واسعة على منصة «تيك توك» عندما انتشر مقطع فيديو لطقوس الغضب التي تنظمها. وظهرت في المقطع المتداول نساء يضربن الأرض بالعصي في إحدى الغابات، ويصرخن بأعلى أصواتهن في «ملاذ روحي» دفعت بعضهن أكثر من 4,000 دولار لحضوره. وتواصل بالدوتشي تنظيم هذه الملاذات التي تمتد ستة أيام.
وتبلغ تكلفة بعض الجلسات مبالغ أقل بكثير، أو لا تتقاضى أي مقابل على الإطلاق. وكان الشعور بالعجز والغضب هو ما دفع ريتشل ميل، وهي ناجية من مرض السرطان، وتعمل في مجال الخدمات المالية، إلى تنظيم «حفلات تحطيم» مجانية في فناء منزلها بمدينة بيتسبرغ. وفي وقت لاحق، أصبحت ميل تتقاضى 25 دولاراً مقابل المشاركة معها في جلسة غضب تقيمها في صالة رياضية محلية. وتتبرع ميل بجميع العائدات لصالح مؤسسة «ميتافيفور» وهي جمعية لدعم مصابي سرطان الثدي.
وأوضحت ميل أنها كانت تشعر بغضب عارم لا ينتهي خلال فترة علاجها: غضب من نظام الرعاية الصحية، بل ومن مرض السرطان نفسه. وقالت «كان الغضب يبدو مستعصياً على الحل؛ لأنه لم يكن هناك شخص محدد يمكنني التوجه إليه أو تحميله المسؤولية». وحاولت تجريب التأمل، وكتابة المذكرات، والاسترخاء لفترات طويلة، لكن الشيء الوحيد الذي بدا أنه يساعدها هو الصراخ داخل سيارتها وضرب كيس اللكم، وهو ما أدهشها شخصياً.
وأضافت أنها أرادت أن يشعر الآخرون بالارتياح نفسه الذي شعرت به، وأن تفرغ غضبها برفقة أشخاص يمرون بالشعور ذاته بالعجز.
وبالعودة إلى كريستينا فقد قالت إن متطلبات الحياة اليومية والضغوط الناجمة عن الوجود المستمر على شبكة الإنترنت قد تكون مرهقة للغاية. فالناس يقلقون من أمور خارجة عن سيطرتهم، مثل صعود الذكاء الاصطناعي، والتضخم، وتراجع القواعد السياسية المستقرة منذ فترة طويلة. وتأمل أن تمنح ملاذات الغضب التي تنظمها الناس شعوراً بالانتماء المجتمعي وحالة من الاستقرار المؤقت.
ويعود أكثر من 20% من المشاركين في «ريج هير» لحضور الجلسات مرة أخرى، بل إن بعض المواظبين حضروا خمس جلسات حتى الآن ويخططون لحضور المزيد. ولمواجهة الطلب المتزايد، تطلق ماكمينامين برنامجاً تدريبياً في مطلع عام 2027 لضم المزيد.
وتخصص العديد من ملاذات الغضب من قبل النساء لصالح النساء، لتوفير مساحة آمنة لتفريغ الغضب. وتتمثل المرحلة التالية لكريستينا في تنظيم ملاذات لفئات محددة هم: الأمهات، والمحاربون القدامى، والنساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وبعده، ومن يخضعون لعلاجات الإخصاب، والناجون من السرطان.
ارتياح قصير الأجل
ورغم الأثر التطهيري الذي قد تحدثه ملاذات الغضب، فإن الشعور بالارتياح لدى المشاركين قد يكون قصير الأجل. وحذرت كاتي مورتون، المعالجة النفسية المعتمدة ومؤلفة كتاب «هل أنت بخير؟ دليل العناية بصحتك النفسية»، قائلة: «إذا شعر شخص ما بالارتياح بعد الصراخ في وسادة أو تحطيم جسم ما، فهذا أمر جيد، لكنه لن يدوم طويلاً». وأضافت: «البرامج الأكثر فائدة هي التي تجمع بين التعبير العاطفي والتأمل واستراتيجيات التنظيم السلوكي العملية».
من جانبها، قالت كريستينا إن جلسات «ريج هير» ليست حلاً دائماً يستخدم لمرة واحدة، وتؤكد: «لا توجد حبوب سحرية أو علاج سريع»، بل تأمل في أن يغادر المشاركون بوعي أكبر بمشاعرهم مع تعلم تقنيات للسيطرة على غضبهم في منازلهم.
وشدد المعالجون النفسيون ومنظمو هذه الفعاليات على أن ملاذات الغضب لا ينبغي أن تكون بديلاً عن العلاج النفسي المتخصص. وقالت إليزابيث ديفون، وهي مستشارة نفسية معتمدة في ناشفيل ومتخصصة في التعافي من الصدمات: «التعافي عملية بطيئة ولا توجد حلول سريعة». ونصحت الراغبين في الانضمام لهذه الجلسات بطرح الأسئلة المناسبة حول مؤهلات المنظمين، والدراسات المتعلقة بأسلوبهم، والمخاطر المحتملة. وأضافت ديفون: «إذا لم يستطع الممارس الإجابة عن هذه الأسئلة أو امتنع عن ذلك، فيجب الحذر».

