أورسولا فون دير لاين.. من الطب إلى قيادة أوروبا في زمن الأزمات

أورسولا فون دير لاين
أورسولا فون دير لاين

من عيادات الطب في ألمانيا إلى قمة مؤسسات الاتحاد الأوروبي، قطعت أورسولا فون دير لاين مسيرة سياسية ومهنية غير تقليدية انتهت بها إلى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في القرار الأوروبي. فمنذ وصولها إلى رئاسة المفوضية الأوروبية عام 2019، ارتبط اسمها بأزمات وتحولات كبرى أعادت رسم أولويات القارة، من جائحة كورونا وأزمة الطاقة إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، والتحول الأخضر والرقمي، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتزايد التركيز الأوروبي على الدفاع والأمن والاستقلال الاقتصادي.

وفي يوليو 2024، أعاد البرلمان الأوروبي انتخاب فون دير لاين رئيسة للمفوضية لولاية ثانية تمتد حتى 2029، بعدما كانت أول امرأة تتولى المنصب في تاريخ الاتحاد الأوروبي. وتقود خلال ولايتها الثانية مفوضية تضم 27 مفوضاً، فيما تركز أجندتها على بناء أوروبا أكثر تنافسية واستقلالاً، وتعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية والتكنولوجية.

طبيبة قبل أن تصبح سياسية

ولدت فون دير لاين عام 1958 في بروكسل، ونشأت في بيئة أوروبية وسياسية؛ فوالدها إرنست ألبرخت كان من المسؤولين الألمان الذين عملوا في المؤسسات الأوروبية، قبل أن يصبح رئيساً لحكومة ولاية سكسونيا السفلى.

بدأت دراسة الاقتصاد، قبل أن تتجه إلى الطب، وتحصل على شهادة الطب والدكتوراه، وتعمل طبيبة في ألمانيا.

وخلال مسيرتها الأكاديمية والمهنية، تخصصت في مجالات مرتبطة بالطب والصحة العامة، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى العمل السياسي.

وانضمت إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني، ثم صعدت في الحياة السياسية المحلية والإقليمية، قبل أن تنتقل إلى الحكومة الاتحادية في برلين.

صعود سريع في حكومات ميركل

كان عام 2005 محطة أساسية في مسيرة فون دير لاين، عندما اختارتها المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل لتولي وزارة الأسرة وكبار السن والمرأة والشباب، ثم أصبحت وزيرة للعمل والشؤون الاجتماعية عام 2009، قبل أن تصل إلى أكثر المناصب حساسية في مسيرتها السياسية داخل ألمانيا عندما تولت وزارة الدفاع عام 2013، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ البلاد.

وبقيت في الحكومة الألمانية حتى 2019، عندما انتقلت من برلين إلى بروكسل لتصبح رئيسة للمفوضية الأوروبية.

2019.. أول امرأة في قيادة المفوضية الأوروبية

كان انتخاب فون دير لاين لرئاسة المفوضية في 2019 حدثاً تاريخياً، إذ أصبحت أول امرأة تتولى قيادة الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي.

وتتمتع المفوضية بدور محوري في المنظومة الأوروبية، فهي تقترح التشريعات، وتراقب تطبيق قوانين الاتحاد، وتدير سياسات وبرامج وميزانيات أوروبية، وتمثل الاتحاد في مجالات دولية تقع ضمن اختصاصاتها.

لكن ولايتها الأولى لم تكن عادية، إذ بدأت في نهاية 2019 تقريباً، قبل أن تتحول جائحة كورونا بعد أشهر إلى أزمة صحية واقتصادية عالمية.

كورونا.. أول اختبار كبير

فرضت الجائحة على المفوضية الأوروبية إعادة ترتيب أولوياتها، وبرز خلالها برنامج التعافي الأوروبي «NextGenerationEU»، الذي أصبح إحدى أكبر الأدوات المالية المشتركة التي استخدمها الاتحاد لدعم التعافي الاقتصادي والاستثمار، كما لعبت المفوضية دوراً رئيسياً في تنسيق شراء اللقاحات بين الدول الأعضاء، لكن ملف اللقاحات تحول لاحقاً إلى مصدر جدل سياسي وقانوني حول الرسائل النصية التي تبادلتها فون دير لاين مع الرئيس التنفيذي لشركة «فايزر» خلال المفاوضات الخاصة بشراء اللقاحات.

وتواصلت الإجراءات القضائية المرتبطة بالشفافية والوصول إلى هذه الرسائل، ليصبح الملف واحدة من أكثر القضايا حساسية المرتبطة بطريقة إدارة المفوضية خلال الجائحة.

أوكرانيا وأزمة الطاقة.. تغير أولويات أوروبا

بعد الجائحة، واجه الاتحاد الأوروبي أزمة أكثر عمقاً مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت فون دير لاين من أبرز الأصوات الأوروبية الداعمة لأوكرانيا، فيما تبنى الاتحاد مجموعة واسعة من العقوبات ضد روسيا، بالتوازي مع مساعي تقليص الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية.

وتشير المفوضية إلى أن ولايتها الأولى شهدت إجراءات لخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي، وتعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد.

وفي الولاية الثانية، أصبح الأمن والدفاع الأوروبيان أكثر حضوراً في أجندة فون دير لاين، بالتوازي مع الحديث عن زيادة الاستثمارات الدفاعية الأوروبية وتطوير الصناعات العسكرية والقدرات المشتركة.

«الفوهرر أورسولا».. عندما دخل لافروف على خط المواجهة

وفي خضم هذا التوتر بين موسكو وبروكسل، أطلق وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في سبتمبر 2026 واحدة من أكثر العبارات حدة في وصفه لفون دير لاين.

فخلال منتدى اقتصادي في فلاديفوستوك، قال لافروف إن موسكو تطلق على رئيسة المفوضية الأوروبية اسم «الفوهرر أورسولا»، متهماً إياها بالسعي إلى نقل صلاحيات ومسؤوليات إلى المفوضية الأوروبية لم تفوضها الدول الأعضاء بها.

وقال لافروف إن فون دير لاين تحاول، وفق وصفه، تركيز مزيد من السلطات في بروكسل، مضيفاً أن هذا الاتجاه أصبح أكثر وضوحاً.

وتحمل كلمة «Führer» في الألمانية معنى «القائد» حرفياً، لكنها اكتسبت حمولة تاريخية شديدة الارتباط بأدولف هتلر والنظام النازي، ولذلك فإن استخدامها في وصف سياسية ألمانية مثل فون دير لاين يمثل تعبيراً سياسياً هجومياً شديد الحدة، وليس لقباً رسمياً أو وصفاً متداولاً لها في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وتأتي العبارة في سياق أوسع من الانتقادات الروسية للسياسات الأوروبية تجاه موسكو والحرب في أوكرانيا، ولذلك ينبغي التعامل معها صحفياً باعتبارها وصفاً منسوباً إلى لافروف وليس حقيقة أو توصيفاً مستقلاً لشخصية فون دير لاين. كما تزامنت تصريحاته مع انتقادات حادة وجهها إلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس وسياسات الدفاع الأوروبية.

من «الاتفاق الأخضر» إلى اقتصاد أكثر تنافسية

كان التحول المناخي أحد أبرز عناوين الولاية الأولى لفون دير لاين، من خلال «الاتفاق الأخضر الأوروبي» الذي وضع هدف الوصول إلى الحياد المناخي في قلب السياسة الاقتصادية الأوروبية.

لكن الولاية الثانية أضافت إلى الأجندة المناخية بعداً صناعياً وتنافسياً أكثر وضوحاً.

فأوروبا تواجه منافسة قوية من الولايات المتحدة والصين في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والبطاريات والذكاء الاصطناعي.

ولهذا أصبحت فون دير لاين تتحدث بصورة أكبر عن خفض تكاليف الطاقة، وتطوير شبكات الكهرباء، ودعم التصنيع الأوروبي، وتأمين المواد الخام الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية في القطاعات الحساسة.

معركة التكنولوجيا الأوروبية

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد الملفات الجديدة التي تتعامل معها فون دير لاين باعتبارها جزءاً من مستقبل الاقتصاد الأوروبي.

وتحاول المفوضية تحقيق توازن بين تشجيع الابتكار ووضع قواعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى عدم التخلف عن الولايات المتحدة والصين في البنية التحتية والحوسبة والبيانات.

وتعمل المفوضية على تطوير مصانع ومنشآت للذكاء الاصطناعي في أنحاء أوروبا، وتعزيز البنية الرقمية وقدرة الشركات الأوروبية على الوصول إلى الحوسبة المتقدمة.

وتأتي هذه الخطوات ضمن رؤية أوسع تسعى إلى بناء اقتصاد أوروبي أكثر استقلالاً في التكنولوجيا والرقائق والبيانات والطاقة.

الصين شريك ومنافس استراتيجي

تمثل الصين أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الاقتصادية الأوروبية، فالصين شريك تجاري رئيسي للاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه منافس قوي في صناعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والبطاريات والتكنولوجيا.

ولهذا تبنت بروكسل سياسة تقوم على تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على الصين، بدلاً من قطع العلاقات التجارية معها.

وتشمل هذه السياسة تنويع سلاسل الإمداد، وحماية بعض القطاعات الاستراتيجية، وتشديد الرقابة على الاستثمارات والتقنيات الحساسة، مع استمرار البحث عن مجالات للتعاون الاقتصادي.

تحالف استراتيجي وتحديات تجارية

العلاقة مع واشنطن تمثل محوراً آخر في أجندة فون دير لاين.

فالولايات المتحدة شريك رئيسي لأوروبا في الأمن والدفاع والتجارة والاستثمار، لكن الخلافات حول الرسوم الجمركية والسياسة الصناعية والتكنولوجيا والطاقة تفرض على الاتحاد الأوروبي تطوير قدرة أكبر على التحرك بصورة مستقلة.

ومن هنا برز مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي» في خطاب فون دير لاين، خصوصاً في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والمواد الخام.

ولا يعني ذلك، في خطاب المفوضية، الانفصال عن الحلفاء، بل بناء قدرات أوروبية أكبر تسمح للاتحاد بالمناورة في بيئة دولية أكثر تنافساً.

الدفاع.. أوروبا تعيد بناء قدراتها

أصبحت السياسة الدفاعية من أبرز الملفات في الولاية الثانية.

وفي سبتمبر 2026، طرحت فون دير لاين فكرة إنشاء مجلس أوروبي للأمن يضم دول الاتحاد وشركاء من خارجه، إلى جانب «دليل إجراءات» أوروبي للتعامل مع التهديدات الهجينة، بما في ذلك التخريب والهجمات السيبرانية والتدخلات الأخرى تحت مستوى الحرب التقليدية.

كما طرحت فكرة توسيع التعاون مع دول مثل بريطانيا والنرويج وأوكرانيا وكندا في المجال الأمني.

وتأتي هذه المبادرات في وقت تبحث فيه أوروبا عن زيادة الاعتماد على قدراتها الدفاعية، في ظل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا وعدم اليقين بشأن حجم الدور الأمريكي المستقبلي في أمن القارة.

كندا.. توسيع دائرة الشراكات

ومن الأفكار التي طرحتها فون دير لاين خلال ولايتها الثانية تعزيز العلاقات مع شركاء خارج الاتحاد.

وفي خطاب حالة الاتحاد لعام 2026، طرحت فكرة منح كندا وضع «عضو منتسب» إلى الاتحاد الأوروبي، بما يفتح الباب أمام تعاون أوسع في مجالات التكنولوجيا والطاقة والدفاع والمواد الخام.

ولا يمثل هذا الوضع عضوية كاملة في الاتحاد، بل فكرة سياسية تحتاج إلى ترتيبات ومفاوضات قبل أن تتحول إلى إطار مؤسسي رسمي.

ويعكس الطرح اتجاهاً أوسع لدى بروكسل لتنويع الشراكات في مواجهة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.

الهجرة.. ملف دائم الحساسية

وتظل الهجرة أحد أكثر الملفات حضوراً في السياسة الأوروبية.

وخلال سنوات رئاسة فون دير لاين، عملت المفوضية على إصلاح نظام الهجرة واللجوء، وتعزيز إدارة الحدود الخارجية للاتحاد، والتعاون مع دول خارجية للحد من الهجرة غير النظامية.

لكن الملف يظل موضع خلاف بين الدول الأعضاء، خصوصاً حول توزيع المسؤوليات واستقبال طالبي اللجوء وآليات التضامن بين الدول.

وفي هذا الملف أيضاً، تظهر طبيعة الدور الذي تؤديه فون دير لاين: محاولة بناء سياسة أوروبية مشتركة في مجال تظل فيه المصالح والمواقف الوطنية مختلفة بصورة كبيرة.

من السياسة الألمانية إلى قيادة أوروبا

تكشف مسيرة فون دير لاين عن انتقال تدريجي من السياسة الاجتماعية والصحية إلى ملفات أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والأمن والدفاع والتكنولوجيا.

فهي بدأت طبيبة، ثم دخلت السياسة الألمانية، وتولت حقائب الأسرة والعمل والدفاع، قبل أن تصل إلى رئاسة المفوضية الأوروبية.

ومنذ 2019، ارتبطت رئاستها للمفوضية بثلاث مراحل كبرى: الجائحة، والحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة، ثم إعادة بناء القدرة التنافسية والاستراتيجية الأوروبية.

أما ولايتها الثانية حتى 2029، فتتحرك حول مجموعة مختلفة نسبياً من الأولويات، تتصدرها القدرة التنافسية، والدفاع والأمن، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، والطاقة، والصناعة، والمواد الخام، إلى جانب الحفاظ على الشراكات الدولية.

وفي المقابل، أصبح اسمها جزءاً من الخطاب السياسي الروسي الحاد تجاه بروكسل، إلى درجة استخدام لافروف لقب «الفوهرر أورسولا» عند انتقاده لدورها وصلاحيات المفوضية.

وبين مؤيديها وخصومها، تظل فون دير لاين في قلب مرحلة تعيد فيها أوروبا تعريف موقعها في الاقتصاد والسياسة العالميين، فيما تتحول رئاسة المفوضية تحت قيادتها إلى منصة تجمع ملفات كانت منفصلة في السابق: الاقتصاد والدفاع والطاقة والتكنولوجيا والأمن والسياسة الخارجية.