«الإيموجي الأصفر».. قصة عمرها 60 عاماً

يبدو الوجه الأصفر المبتسم اليوم جزءاً من الحياة اليومية، يظهر على شاشات الهواتف، وفي تطبيقات التواصل الاجتماعي والرسائل الإلكترونية.

ويستخدمه الملايين حول العالم للتعبير عن السعادة والرضا والمشاعر الإيجابية. لكن هذه الابتسامة الشهيرة لم تولد مع الهواتف الذكية أو مواقع التواصل، بل تعود قصتها إلى أكثر من ستة عقود، وتحديداً إلى مدينة وورسيستر بولاية ماساتشوستس الأمريكية عام 1963.

في ذلك العام، كانت شركة State Mutual Life Assurance Company تواجه حالة من القلق بين موظفيها بعد استحواذها على شركة تأمين أخرى، ما أدى إلى تراجع الروح المعنوية للعاملين.

وللتخفيف من حالة التوتر، قررت الشركة إطلاق حملة داخلية تعيد البسمة إلى الموظفين، واستعانت بفنان الإعلانات ومصمم الجرافيك هارفي روس بول لتنفيذ الفكرة.

لم يستغرق بول سوى نحو عشر دقائق لإنجاز التصميم الذي أصبح لاحقاً واحداً من أشهر الرموز البصرية في العالم. دائرة صفراء بسيطة، وعينان سوداوان، وفم مقوس إلى أعلى، كانت كافية لصناعة صورة تحمل رسالة مباشرة: ابتسم.

وتقاضى بول مقابل التصميم 45 دولاراً فقط، ولم يسجل حقوقاً تجارية باسمه للتصميم، الأمر الذي سمح بانتشاره على نطاق واسع وتطوير نسخ تجارية مختلفة منه في العقود التالية.

وتؤكد المصادر التاريخية أن الشركة نفسها بدأت باستخدام الوجه المبتسم في أزرار وزعت على موظفيها، قبل أن يتحول الرمز إلى ظاهرة جماهيرية.

وبحلول عام 1971، بلغ انتشار الوجه المبتسم ذروته، إذ بيعت أكثر من 50 مليون قطعة من أزراره، فيما انتقل التصميم من أزرار الملابس إلى القمصان والقبعات والبطاقات والملصقات ومجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية. وأصبح الوجه المبتسم رمزاً عالمياً للمرح والتفاؤل وحسن النية.

من هارفي بول إلى علامة عالمية

ولد هارفي بول في وورسيستر عام 1921، وأظهر موهبته الفنية منذ سنوات الدراسة، قبل أن يلتحق بمدرسة وورسيستر للفنون.

وبعد الحرب العالمية الثانية، عمل في مجال الإعلان، ثم أسس عام 1959 شركته الخاصة، قبل أن يحصل على المهمة التي صنعت شهرته بعد أربع سنوات فقط.

ولم تكن حياة بول محصورة في الفن والإعلانات؛ فقد خدم في الجيش والحرس الوطني الأمريكي لسنوات طويلة، وشارك في الحرب العالمية الثانية، قبل أن يواصل خدمته العسكرية حتى تقاعده برتبة رفيعة.

وبعد الشهرة العالمية التي حققها تصميمه، اختار بول توجيه إرث الابتسامة نحو العمل الخيري. وفي عام 1999 أطلق اليوم العالمي للابتسامة، الذي يُحتفل به في أول جمعة من شهر أكتوبر من كل عام، تحت شعار يدعو إلى القيام بعمل طيب ومساعدة شخص على الابتسام.

ابتسامة بلا حدود

لكن قصة الوجه المبتسم لم تتوقف عند تصميم بول الأصلي. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، طور الأخوان برنارد وموراي سباين نسخة تجارية أضيفت إليها عبارة «Have a Nice Day»، لتتحول الصورة إلى منتج جماهيري واسع الانتشار.

وفي الفترة نفسها تقريباً، بدأ الفرنسي فرانكلين لوفْراني تطوير علامة تجارية مستقلة للوجه المبتسم، وسجلها تجارياً عام 1971، قبل أن تتحول لاحقاً إلى إمبراطورية عالمية للترخيص والمنتجات.

وهنا تبرز مفارقة تاريخية لافتة: الرجل الذي ابتكر النسخة الشهيرة من الوجه المبتسم حصل على 45 دولاراً فقط، بينما تحول التصميم الذي ابتكره إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات.

ورحل هارفي بول عام 2001 عن عمر ناهز 79 عاماً، لكن ابتسامته بقيت حاضرة في الثقافة الشعبية، وتطورت مع التكنولوجيا من رمز مرسوم على زر صغير إلى عشرات الرموز التعبيرية التي تستخدم يومياً على الهواتف والمنصات الرقمية.

وبذلك، لم يكن الوجه الأصفر المبتسم مجرد رسم بسيط، بل تحول خلال أكثر من ستة عقود إلى لغة بصرية عالمية تتجاوز اختلاف اللغات والثقافات، وتثبت أن فكرة بسيطة مرسومة في دقائق يمكن أن تصبح واحدة من أكثر العلامات حضوراً في التاريخ الحديث.