وبينما أعادت موجات الصعود إشعال رهانات المستثمرين على مستويات تاريخية جديدة قد تصل إلى 6000 دولار للأونصة، كشفت التصحيحات العنيفة في المقابل عن مخاطر لا يمكن تجاهلها، في سوق تتداخل في تحركاته أسعار الفائدة والدولار والتضخم ومشتريات البنوك المركزية، إلى جانب التطورات الجيوسياسية وتدفقات الاستثمار.
وهل يمثل الذهب فرصة للشراء عند المستويات الحالية، أم أن الانتظار والشراء التدريجي قد يكونان الخيار الأكثر ملاءمة للمستثمر طويل الأجل؟ «البيان» استطلعت آراء خبراء ومتخصصين في الذهب والأسواق المالية لرصد أبرز محركات المعدن الأصفر، وقراءة اتجاهاته المقبلة، وتحديد الاستراتيجيات الأنسب للتعامل مع موجات الصعود والهبوط.
مستوى 6000 دولار
وفي حال اتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة نقدية أكثر مرونة، مع تراجع العوائد الحقيقية وضعف الدولار، فإن البيئة تصبح أكثر ملاءمة للذهب. أما ارتفاع العوائد وقوة الدولار فقد يدفعان المستثمرين إلى إعادة توزيع جزء من السيولة بعيداً عن المعدن، وهو ما يفسر إمكانية حدوث تصحيحات حادة حتى داخل الاتجاه الصاعد.
ويمثل مستوى 6000 دولار للأونصة سيناريو صعودياً وليس بالضرورة توقعاً أساسياً. الوصول إليه يتطلب استمرار مجموعة من العوامل الإيجابية في العمل معاً، وفي مقدمتها انخفاض الفائدة والعوائد الحقيقية، وضعف الدولار، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، فضلاً عن استمرار تدفقات المستثمرين إلى الذهب.
لذلك فإن الحديث عن 6000 دولار يجب ألا يُقرأ باعتباره مساراً خطياً. فالذهب يمكن أن يتجه نحو مستويات مرتفعة جداً، لكنه قد يمر قبل ذلك بتصحيحات بعشرات أو مئات الدولارات للأونصة.
الأصول الاستثمارية
يتأثر الذهب بعوامل اقتصادية ومالية وجيوسياسية. ومن أبرز هذه العوامل أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية، وتوقعات التضخم، وقوة الدولار الأمريكي، ومعنويات المستثمرين، ومستويات عدم اليقين الجيوسياسي..
هذه العوامل تنعكس بدرجات متفاوتة على المكونات الرئيسة الأربعة للطلب على الذهب، وهي: البنوك المركزية، والمستثمرون، وقطاع المجوهرات، والقطاع التكنولوجي. وهذا التنوع في العوامل المؤثرة في أداء الذهب هو ما يمنحه مكانته الفريدة بين الأصول الاستثمارية.
في حين يميل إلى تحقيق أداء جيد خلال فترات عدم اليقين المرتفعة، نظراً إلى اعتباره مخزناً للقيمة وأداة فعالة لتنويع المحافظ الاستثمارية.
المحرك الرئيس
ولا يزال الطلب مدعوماً بعوامل عدة؛ أبرزها استمرار التوترات الجيوسياسية، والمخاوف المتعلقة بالتضخم، إلى جانب مواصلة البنوك المركزية شراء الذهب في إطار جهودها لتنويع الاحتياطيات.
وفي المقابل قد تؤدي عوامل مثل ارتفاع العوائد الحقيقية، وتوقعات السياسة النقدية، وتحركات الدولار الأمريكي إلى فترات من التذبذب والتأثير في أداء الأسعار على المدى القصير.
وفي حين أننا لا نقدم توقعات سعرية محددة للذهب فإن العوامل الأساسية التي تدعم الطلب على الذهب لا تزال قائمة، مدعومةً باستمرار الطلب الاستثماري، ومشتريات البنوك المركزية، والدور الذي يؤديه الذهب كأصل استراتيجي خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
ويقول نايلور: يُنظر إلى الذهب عادةً على أنه أصل استراتيجي طويل الأجل، وليس أداة للمضاربة قصيرة الأجل، ومحاولة توقيت السوق وتحقيق أفضل نقطة دخول بشكل مستمر تُعد أمراً بالغ الصعوبة.
لذلك يختار العديد من المستثمرين الاحتفاظ بالذهب ضمن محافظهم الاستثمارية المتنوعة؛ لما يتمتع به من قدرة على المساعدة في الحفاظ على الثروة، وإدارة المخاطر، وتعزيز مرونة المحافظ الاستثمارية في مختلف الظروف الاقتصادية والمالية.
وتابع : على مر التاريخ، اتجه المستثمرون إلى الذهب خلال فترات تقلب الأسواق، وارتفاع معدلات التضخم، وحالات عدم اليقين الجيوسياسي. إلا أن دوره لا يقتصر على هذه الظروف فحسب، إذ يؤدي وظائف متعددة ضمن المحافظ الاستثمارية، من أبرزها الإسهام في التنويع، والتحوط المحتمل ضد المخاطر، والحفاظ على القيمة على المدى الطويل.
وفي نهاية المطاف يعتمد قرار شراء الذهب على أهداف المستثمر الاستثمارية، ومدى تقبله للمخاطر، وأُفقه الزمني للاستثمار. وبدلاً من التركيز فقط على تحركات الأسعار قصيرة الأجل.
صعود وهبوط
وإذا أردنا أن نفهم حركة الذهب، فأول شيء أنظر إليه هو الفائدة الأمريكية. عندما تبدأ الأسواق تتوقع خفض الفائدة، يصبح الذهب عادةً أكثر جاذبية، لأنه في النهاية أصل لا يدر فائدة. والعكس يحدث عندما ترتفع الفائدة وعوائد السندات». وهناك عامل ثانٍ – تستطرد الفحام - هو الدولار الأمريكي.
حيث إن الذهب مسعّر بالدولار عالمياً، وبالتالي عندما يضعف الدولار غالباً نرى دعماً للذهب، وعندما يقوى الدولار قد يتعرض الذهب للضغط. أيضاً لدينا التضخم. والناس تاريخياً ينظرون إلى الذهب كوسيلة لحماية القوة الشرائية، خصوصاً عندما تكون هناك مخاوف من ارتفاع التضخم أو عدم استقرار العملات.
وتضيف : «هناك عامل أصبح مهماً جداً في السنوات الأخيرة، وهو مشتريات البنوك المركزية، خصوصاً من دول كبرى مثل الصين. وفي الربع الثاني من هذا العام وصلت مشتريات البنوك المركزية إلى نحو 289 طناً، وفق البيانات التي أوردتها رويترز.
ولا نستطيع أن نتحدث عن الذهب من دون أن نتحدث عن الأزمات الجيوسياسية؛ فالحروب والتوترات والأزمات المالية عادةً تزيد الطلب على الذهب باعتباره أصلاً دفاعياً. لكن هناك مفارقة مهمة: عندما تصبح الأزمة شديدة جداً، قد نرى الذهب نفسه يتعرض للبيع مؤقتاً، لأن المستثمرين يحتاجون إلى السيولة.
وهذا شيء شهدناه خلال العام الجاري. كذلك فإن العوائد الحقيقية على السندات والسيولة في الأسواق تعد عاملاً مهماً؛ فعندما ترتفع تقل جاذبية الذهب نسبياً، وعندما تنخفض، يحصل الذهب عادةً على دعم. ولدينا أيضاً صناديق الذهب ETF ودخول الأموال إلى هذه الصناديق يعني زيادة الطلب الاستثماري، وخروج الأموال منها قد يشكل ضغطاً على السعر».
أنا لا أعتقد أن هناك وقتاً مثالياً للشراء؛ فإذا كان هدفي الاستثمار طويل الأجل في الذهب الفعلي فلن أحاول انتظار «أرخص سعر ممكن»، لأن تحديد القاع بدقة شبه مستحيل.
والأفضل بالنسبة إليّ هو الشراء التدريجي؛ بمعنى أن أشتري بمبلغ ثابت شهرياً أو ربع سنوي، وأزيد مشترياتي عندما تحدث تصحيحات قوية بدلاً من أن أطارد السعر في أثناء الارتفاعات، وأن لا أضع كامل المبلغ الذي خصصته للذهب في عملية شراء واحدة، وأن أحتفظ دائماً بالفواتير المطابقة لمشترياتي، وأركز ليس فقط على سعر الذهب، وإنما أيضاً على المصنعية أو العلاوة وسهولة إعادة البيع.
حفظ القيمة
فعلى المدى الطويل يبرز شراء البنوك المركزية للذهب كأحد أهم المحركات في ظل توجه عدد من الدول إلى تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على العملات الرئيسة.
ويضيف: «كما يستمد الذهب أهميته من كونه أصلاً يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية؛ إذ لا يرتبط بشكل مباشر بجهة مالية أو سياسية بعينها؛ ما يعزز مكانته كأداة لحفظ القيمة والتحوط.
أما على المدى القصير فتتقدم التطورات الجيوسياسية والبيانات الاقتصادية وقرارات السياسة النقدية الأمريكية قائمة العوامل المؤثرة في الذهب».
وقد منح ذلك مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة لمواصلة التركيز على مكافحة التضخم والحفاظ على سياسة نقدية متشددة. لكن المشهد بدأ يتغير خلال الأسبوعين الأخيرين، مع ظهور مؤشرات على تباطؤ محتمل في الاقتصاد الأمريكي وارتفاع المخاوف من الركود.
وجاءت بيانات مبيعات التجزئة والتضخم وطلبات إعانة البطالة ضمن أبرز المؤشرات التي أعادت إلى الأسواق التساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد على المحافظة على زخمه».
استعادة المسار
وقد بدأت هذه الحركة من مستوى 4200 دولار، مروراً بـ4300 و4400، وصولاً إلى منطقة 4500 دولار التي كانت تمثل مقاومة مهمة قبل أن تتحول إلى مستوى دعم مع نهاية الأسبوع الماضي.
وفي حال استمرار البيانات الاقتصادية في دعم توقعات التباطؤ الأمريكي، مع محافظة الذهب على هيكله الفني الصاعد، فقد تتجه الأنظار خلال الفترة المقبلة نحو نطاق 4750 إلى 4800 كمستويات مستهدفة محتملة.
أما عن وجود وقت مثالي لشراء الذهب فقال عنيزان: بالنسبة إلى المستثمر الذي ينظر إلى الذهب باعتباره أداة تحوط طويلة الأجل وحافظة للقيمة، فإن محاولة تحديد السعر المثالي للدخول قد لا تكون العامل الأكثر أهمية؛ فالفكرة الأساسية من اقتناء الذهب في هذه الحالة، لا تقوم فقط على تحقيق عائد سريع، وإنما على الاحتفاظ بأصل قادر على أداء دور دفاعي ضمن المحفظة الاستثمارية.
بينما شهد عام 2025 أداءً استثنائياً، مسجلاً ارتفاعاً وصل إلى نحو 70%، وتعزز هذه الأرقام النظرة إلى الذهب باعتباره أداة للتحوط وحفظ القيمة على المدى الطويل، وليس مجرد أصل للمضاربة على تحركات الأسعار قصيرة الأجل.
لذلك، فإن القرار الأهم لا يرتبط دائماً بالسؤال: «هل السعر الحالي هو الأفضل للشراء؟» بقدر ارتباطه بتحديد الهدف من امتلاك الذهب، وحجم الاستثمار، والأفق الزمني.
وفي النهاية، يبقى الذهب بالنسبة إلى المستثمر طويل الأجل أداة للتحوط وحفظ القيمة أولاً، واستثماراً لتحقيق العائد ثانياً، بينما تظل تحركاته قصيرة الأجل رهينة البيانات الاقتصادية والسياسة النقدية والتطورات الجيوسياسية.
خبراء:
