في مشهد يعيد للأذهان ذكريات الأزمات الاقتصادية الخانقة، تسجل المملكة المتحدة اليوم أدنى مستويات عدد المليونيرات منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وبينما يواجه رئيس الوزراء الجديد "آندي بورنهام" ضغوطاً متزايدة لفرض ضريبة ثروة بنسبة 2% على الممتلكات التي تتجاوز 10 ملايين جنيه إسترليني، يبدو أن "قن هجرة الثروات" قد فُتح بالفعل، مما يضع الحكومة أمام معضلة: كيف تجبي الضرائب دون أن تخسر ركائز اقتصادها؟
أرقام النزوح
لا تعتمد هذه المخاوف على فرضيات، بل تؤكدها لغة الأرقام. ووفقاً لـ "تقرير هينلي لهجرة الثروات الخاصة لعام 2025"، تصدرت المملكة المتحدة قائمة الدول الأكثر خسارة للأثرياء عالمياً، حيث نزح حوالي 16 ألف مليونير في عام 2025 وحده، حاملين معهم ثروات تقدر بنحو 91.8 مليار دولار. هذا النزوح غير المسبوق أدى إلى تقلص القاعدة المليونيرية في البلاد لتصل إلى 442 ألف مليونير فقط، وهو انخفاض بنسبة 7% مقارنة بعام 2024.
تشير بيانات "مؤشر المراكز المالية العالمية" (GFCI) إلى أن لندن فقدت جزءاً من بريقها التنافسي لصالح دبي وسنغافورة. ويؤكد التقرير أن جزءاً كبيراً من المليونيرات المغادرين ليسوا مجرد أثرياء متقاعدين، بل هم "رواد أعمال نشطون" في قطاعات التكنولوجيا المالية (FinTech) والذكاء الاصطناعي.
هذا النزوح النوعي يعني خسارة "القيمة المضافة" التي يقدمها هؤلاء لهيكل الاقتصاد البريطاني، وهو ما وصفه خبراء "مؤسسة الحلول المبتكرة" (The Resolution Foundation) بأنه "تأثير تراكمي طويل الأمد"، حيث لا تقتصر الخسارة على الضرائب المفقودة فحسب، بل تمتد لتشمل فقدان آلاف الوظائف عالية المهارة.
ازدواجية الميزانية
في دراسة تحليلية نشرها "معهد الدراسات المالية" (IFS) في يونيو 2026، تم تسليط الضوء على مفارقة "منحنى لافر" في الحالة البريطانية؛ حيث أشار المعهد إلى أن الارتفاع المستمر في معدلات الضرائب على الأرباح الرأسمالية إلى مستويات تقترب من 30% قد بدأ بالفعل في تحقيق نتائج عكسية. وبدلاً من زيادة الحصيلة الضريبية كما كانت تأمل حكومة بورنهام، أظهرت البيانات أن انكماش القاعدة الضريبية نتيجة الهجرة قد أدى إلى "ثبات في الإيرادات"، مما يعني أن الدولة تفرض ضرائب أكثر على عدد أقل من الأشخاص، وهو وضع لا يمكن استدامته مالياً في ظل الحاجة لتمويل عجز الميزانية.
وفقاً لـ "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (OECD)، شهد عام 2026 تنافساً دولياً محتدماً لجذب أصحاب الثروات الكبيرة.
فبينما تحاول بريطانيا تعزيز إيراداتها عبر ضريبة الـ 2%، تقوم دول أخرى بتقديم حزم حوافز ضريبية مغرية لجذب المليونيرات البريطانيين الهاربين. هذا "السباق نحو القاع" في السياسات الضريبية يضع بريطانيا في وضع حرج، حيث لم تعد القوانين الوطنية كافية للحفاظ على الثروة، بل أصبح الأمر يتطلب استراتيجية "دبلوماسية اقتصادية" تمنع تحول لندن من مركز عالمي للمال إلى ساحة طاردة للمستثمرين.
استنزاف الابتكار
يشير خبراء "معهد آدم سميث" إلى أن هجرة كل مليونير تعني "أقل من رأس المال للشركات البريطانية، وفقدان روابط دولية، وإضعاف الروح الريادية في الاقتصاد". ومن وجهة نظر مارتن أوت، الرئيس التنفيذي لشركة "تاكس فيكس"، فإن خروج كبار الممولين والمؤسسين ليس مجرد عملية "توفير ضرائب"، بل هو استنزاف لطاقة الابتكار التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
يؤكد المراقبون أن الحكومة البريطانية تقف اليوم على مفترق طرق. فبينما تطالب حركات مثل "مليونيرات وطنيون" بفرض ضرائب أعلى لتحقيق العدالة الاجتماعية، يظل التساؤل قائماً: هل ستنجح هذه السياسات في تمويل الخدمات العامة، أم ستؤدي إلى إفراغ بريطانيا من عقولها وأموالها، مما يحول مركزها المالي العالمي إلى مجرد ذكرى؟
