هناك اعتقاد أن العولمة بدأت معنا، مع الإنترنت، والطائرات، والهواتف التي تصنع أجزاؤها في أكثر من بلد، نراها في قهوة تأتي من قارة، وفي ملابس تصل خلال أيام، وفي مقطع ينتشر في العالم خلال ساعات، لكن الحقيقة أن العولمة لم تولد في زمننا، فالذي ولد حديثاً هو سرعتها، لا فكرتها.
قبل الإنترنت بزمن طويل، كانت القوافل والسفن تفعل ما تفعله الحاويات اليوم، فمثلاً، كان طريق الحرير عبارة عن شبكة واسعة عبرت منها البضائع والديانات واللغات والأمراض أيضاً، كما انه ربط بين الموانئ العربية والهندية والأفريقية والآسيوية في المحيط الهندي، وهنا تتجلى صورة العالم المتواصل ولكن ببطء، وليس مغلقاً كما كنا نتخيل
وبحسب «أونكتاد»، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة معنية بالتجارة والتنمية، بلغت قيمة التجارة العالمية في السلع والخدمات نحو 31 تريليون دولار عام 2023، ورقم كهذا يجعل العولمة تبدو ابنة القرن الحادي والعشرين، لكنه في الحقيقة يصف حجم الشبكة الآن، لا تاريخها، فالشبكة نفسها أقدم بكثير، وكانت تعمل بالرياح والجمال، ثم صارت تعمل بالبواخر والسكك الحديدية، ثم بالطائرات والكابلات البحرية.
التحول الكبير جاء في القرن التاسع عشر، عندما صغرت التكنولوجيا المسافات، فالبواخر، والسكك الحديدية، والتلغراف، وقناة السويس، كلها جعلت العالم أسرع.
ويوضح «أور وورلد إن داتا» المختص بالإحصائيات العالمية، أن حجم التجارة العالمية في 2024 صار أكبر بأكثر من 2000 مرة مما كان عليه عام 1800، بعد احتساب التضخم، وبين عامي 1830 و1900، ارتفعت الصادرات داخل أوروبا الغربية من نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 10%، أي إن الأسواق كانت تتقارب قبل أن نملك مصطلحات مثل «قرية عالمية» أو «اقتصاد رقمي».
لكن العولمة تتقدم حين تكون الطرق آمنة، وتتراجع حين تأتي الحروب والخوف، فالحروب العالمية والكساد الكبير كسرت جزءاً كبيراً من الانفتاح التجاري الذي بناه القرن التاسع عشر، وثم عادت العولمة بعد الحرب العالمية الثانية لأن العالم بنى مؤسسات واتفاقيات وطرقاً أرخص للربط بين الأسواق.
الفرق أن العولمة القديمة كانت تنقل السلع غالباً من مكان إلى آخر، أما العولمة الحديثة فصارت تدخل داخل السلعة نفسها، فالهاتف لا «يسافر» فقط بعد إنتاجه، هو يولد عالمياً منذ البداية، فيصمم في بلد، وتصنع رقائقه في بلد آخر، ويجمع في بلد ثالث، ويتم برمجته من مكان رابع، وهكذا أصبح المنتج الواحد خريطة صغيرة للعالم.
وهذا ما يجعل عولمة اليوم أكثر هشاشة أيضًا. حين تتعطل قناة أو ميناء أو حرب بحرية أو مصنع رقائق، لا يبقى الأثر في مكانه، يصل إلى الأسعار، والمخازن، والشركات، والمستهلكين في دول بعيدة.
وحذرت «أونكتاد» من أن اضطرابات البحر الأحمر والبحر الأسود وقناة بنما رفعت عدم اليقين في التجارة العالمية، أي إن الاتصال الذي يجعل العالم أسرع، يجعله أكثر قابلية لنقل الصدمة أيضاً.
حتى موجة الذكاء الاصطناعي تعد فصلاً جديداً من العولمة، حيث أن منظمة التجارة العالمية رفعت توقعاتها لنمو تجارة السلع في 2025 إلى 2.4% بدلًا من 0.9%، مدفوعة بالطلب على سلع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي مثل أشباه الموصلات والخوادم ومعدات الاتصالات.
وشكّلت هذه السلع 15% من التجارة العالمية، لكنها ساهمت بـ42% من نموها، كأن طريق الحرير القديم عاد بشكل آخر، بدل الحرير والتوابل، تسافر الرقائق والخوادم والبيانات.
لذلك لا يصح أن نقول إن العولمة ظاهرة حديثة، الأصح أنها ظاهرة قديمة أخذت جسداً جديداً، ففي الماضي كانت تسير ببطء، وكان أثرها يحتاج إلى سنوات كي يظهر، أما اليوم فهي تتحرك بسرعة تجعل أزمة في ممر بحري أو ارتفاعاً في طلب الرقائق يتحول إلى خبر اقتصادي عالمي خلال ساعات.
والأهم أن العولمة لم تكن يوماً خيراً خالصاً، فكما حملت التوابل والكتب والأفكار، حملت أيضاً الاستعمار والعبودية والأوبئة والاستغلال. فالاتصال بين البشر لا يعني العدالة تلقائياً، أحيانًا يكون جسرًا للتبادل، وأحيانًا يكون طريقاً للهيمنة.
