250 عاماً من الهجرة.. كيف تحولت أمريكا من قارة أوروبية مصغرة إلى فسيفساء عالمية؟

قق
قق

على مدار 250 عاماً شهدت الولايات المتحدة تحولات كبيرة في تركيبة سكانها المولودين خارج البلاد، لتنتقل من دولة استقبلت موجات هجرة أوروبية ضخمة في القرن التاسع عشر إلى مجتمع يعتمد بدرجة أكبر على المهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية وآسيا.

وبحسب تحليل جديد أصدره مكتب الإحصاء الأمريكي، بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، عن التغيرات العميقة التي طرأت على أنماط الهجرة منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى عام 2024.

ويستند التقرير وفق "نيوز ويك" إلى بيانات التعداد السكاني الأمريكي، الذي بدأ في تسجيل مكان الميلاد لجميع السكان الأحرار اعتباراً من عام 1850. وفي ذلك الوقت، بلغ عدد السكان المولودين في الخارج نحو 2.2 مليون نسمة، وهو ما مثل 9.7% من إجمالي سكان الولايات المتحدة، في مؤشر على الدور المبكر الذي لعبته الهجرة في تشكيل المجتمع الأمريكي.

وخلال العقود التالية، شهدت البلاد موجات هجرة متسارعة، ما أدى إلى ارتفاع نسبة المولودين في الخارج إلى 14.4% بحلول عام 1870، ثم إلى 14.8% عام 1890، وهو أعلى مستوى سُجل آنذاك.

وجاءت هذه الزيادة مدفوعة بملايين الأوروبيين الذين غادروا أوطانهم بحثاً عن فرص اقتصادية أفضل أو هرباً من الأزمات السياسية والمجاعات والاضطهاد، مثل المجاعة الكبرى في أيرلندا والاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أجزاء من أوروبا الشرقية.

وفي الفترة نفسها، بدأت مجموعات من العمال الصينيين بالوصول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في استخراج الذهب وبناء السكك الحديدية العابرة للقارات.، إلا أن أعدادهم ظلت محدودة نسبياً، خاصة بعد صدور قانون استبعاد الصينيين عام 1882، الذي اعتُبر أول تشريع فيدرالي رئيسي يفرض قيوداً على الهجرة استناداً إلى الجنسية.

ومع بداية القرن العشرين، بدأت سياسات الهجرة الأمريكية تتغير تدريجياً، إذ أدت قوانين الحصص التي اعتمدت على الأصول القومية إلى تراجع نسبة السكان المولودين في الخارج. واستمر هذا الانخفاض حتى عام 1970، عندما وصلت نسبتهم إلى 4.7% فقط من إجمالي السكان، وهو أدنى مستوى خلال أكثر من قرن.

لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت مع إقرار قانون الهجرة والجنسية لعام 1965، المعروف باسم قانون هارت-سيلر، الذي ألغى نظام الحصص القائم على الأصل القومي، واستبدله بسياسة تركز على لمّ شمل الأسر واستقطاب العمالة الماهرة واستقبال اللاجئين.

وأدى هذا التغيير إلى إعادة رسم خريطة الهجرة نحو الولايات المتحدة بصورة جذرية.

فمنذ سبعينيات القرن الماضي، ارتفعت الهجرة القادمة من أمريكا اللاتينية بوتيرة متسارعة، كما شهدت الهجرة الآسيوية نمواً كبيراً، مدفوعة بإعادة توطين اللاجئين بعد حرب فيتنام، إضافة إلى الطلب المتزايد على الكفاءات والمهارات في مختلف القطاعات الاقتصادية.

وبين عامي 1970 و1980، ارتفعت نسبة المهاجرين الآسيويين ضمن السكان المولودين في الخارج من 8.9% إلى 19.3%، وبحلول عام 1990 تجاوز عددهم عدد المهاجرين القادمين من أوروبا لأول مرة في تاريخ البلاد.

ووفق أحدث بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، بلغ عدد السكان المولودين في الخارج خلال عام 2024 نحو 50.2 مليون شخص، أي ما يعادل 14.8% من إجمالي سكان الولايات المتحدة، وهي أعلى نسبة تُسجل على الإطلاق، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل قبل أكثر من قرن.

وتعكس تركيبة المهاجرين الحالية هذا التحول التاريخي، إذ يشكل القادمون من دول أمريكا اللاتينية نحو 51.4% من إجمالي السكان المولودين في الخارج، بينما يمثل القادمون من الدول الآسيوية 30.8%، في حين تراجعت حصة أوروبا بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه في القرن التاسع عشر.

وتبرز هذه الأرقام كيف تحولت الولايات المتحدة عبر قرنين ونصف القرن من دولة استقبلت بالأساس مهاجرين أوروبيين إلى واحدة من أكثر دول العالم تنوعاً، حيث باتت موجات الهجرة الحديثة تعكس التحولات الاقتصادية والسياسية والديموغرافية التي شهدها العالم، إلى جانب تغير السياسات الأمريكية المنظمة للهجرة على مر العقود.