تشهد سوق الساعات الفاخرة العالمية موجة غير مسبوقة من التحول، مع ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية دفعت بعض التجار إلى صهر ساعات كلاسيكية ثمينة، بعدما أصبحت قيمة محتواها المعدني أعلى من سعر إعادة بيعها قطعاً مقتناة، في ظاهرة تعكس إعادة تشكيل عميقة لمفاهيم القيمة بين الاستثمار والاقتناء.
وبحسب مقابلات أجرتها وكالة «رويترز» مع أكثر من 12 تاجراً وخبيراً ومستشاراً استثمارياً، فإن الساعات المستعملة من علامات مثل أوميغا وتاغ هوير التابعة لمجموعة LVMH تُعد الأكثر تأثراً بهذه الموجة، مقارنة بالموديلات الأعلى فخامة وندرة مثل رولكس وباتيك فيليب التي تحافظ على مستويات طلب وأسعار أكثر استقراراً في سوق إعادة البيع.
وتبرز في هذا السياق قصة ساعة أوميغا كونستليشن التي تحولت من رمز للفخامة ظهر في الحملات الإعلانية وأفلام هوليوود وعلى السجادة الحمراء، إلى نموذج عملي لحسابات «القيمة المادية مقابل القيمة السوقية»، بعدما قام التاجر البريطاني جون وايت، صاحب شركة «غولد تريدرز»، بصهر نسخة عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي رغم حالتها الممتازة.
وقال وايت، الذي يدير أيضاً دار مزادات، لرويترز: «ساعة جميلة، لكن في النهاية السؤال الحقيقي: كم ستجلب في المزاد؟».
وأوضح أن قيمة الذهب في الساعة بلغت نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً (7749 دولاراً)، بزيادة تقارب 35% عن تقديرات المزاد التي تراوحت بين 4000 و4500 جنيه إسترليني، ما يجعل بيعها كمعدن خام أكثر ربحية من إعادة بيعها كساعة مقتناة.
من جانبه، أوضح جيمس لامدين، مؤسس وحدة«أنالوج شيفت» في شركة «واتشز أوف سويتزرلاند»، أن عمليات الصهر لم تعد تقتصر على الذهب الحديث فقط، بل تشمل أيضاً ساعات قديمة لم تعد تحظى باهتمام هواة الجمع، قائلاً إن الظاهرة “تحدث بشكل أساسي مع الساعات المستعملة الحديثة وبعض القطع الكلاسيكية التي فقدت قيمتها التراثية”.
وفي الخلفية، تلعب أسعار الذهب دوراً محورياً في هذا التحول، إذ سجلت المعدن الأصفر مستويات قياسية بلغت نحو 5600 دولار للأونصة في يناير، قبل أن تستقر حالياً قرب 4200 دولار، أي ما يقارب ضعف متوسط مستويات 2024، مدفوعة بمخاوف جيوسياسية وتجارية عززت الطلب على الملاذات الآمنة، وفق بيانات السوق.
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى ارتفاع إعادة تدوير الذهب بنسبة 5% في الربع الأول لتصل إلى 366 طناً، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على المجوهرات بنسبة 31% إلى 47 مليار دولار، ما يعكس توسعاً في دورة إعادة تدوير المعدن النفيس عالمياً.
ورغم ذلك، يؤكد خبراء أن سوق الساعات المستعملة لم يشهد نفس الزخم الصعودي، ما خلق فجوة سعرية متزايدة بين القيمة الاستثمارية للمعدن والقيمة القابلة للتحصيل لهواة الجمع، وهو ما يدفع بعض التجار إلى تفكيك ساعات حتى وإن كانت في حالة جيدة.
وقال أدريان هايلوود، المتخصص في تاريخ صناعة الساعات: «الأمر محزن، لأن الساعة بمجرد صهرها تختفي إلى الأبد»، مشيراً إلى غياب بيانات رسمية توضح حجم الساعات التي يتم إعادة تدويرها سنوياً.
وتزداد حدة التأثير على العلامات المتوسطة مثل أوميغا وتاغ هوير وبريتلينغ، التي تواجه صعوبة في الحفاظ على أسعار إعادة البيع، مقارنة بالعلامات الأعلى حصرية مثل رولكس وباتيك فيليب التي تستفيد من قوائم انتظار طويلة وندرة إنتاج واضحة.
ووفق خبراء الصناعة، فإن بعض الطرازات مثل أوميغا سبيدماستر قد تتعرض لانخفاض حاد في القيمة بعد البيع الأول، ما يجعلها أكثر عرضة لإعادة التدوير أو الصهر مقارنة بالموديلات الفاخرة الأعلى ندرة.
وفي المقابل، يرى تجار أن استمرار ارتفاع أسعار الذهب قد يدفع مزيداً من الساعات، وحتى القطع الجديدة غير المباعة، إلى دوائر إعادة التدوير، خصوصاً مع الضغوط التشغيلية وتكاليف الضمان والتخزين، ما يضيف بعداً اقتصادياً جديداً لسوق الساعات الفاخرة.
ورغم الاتجاه الصاعد في إعادة تدوير الذهب، يحذر مختصون من أن فقدان الساعات الكلاسيكية النادرة يمثل خسارة ثقافية وتاريخية لا يمكن تعويضها، إذ تمثل بعض القطع جزءاً من ذاكرة صناعة الساعات العالمية.
