"السكتة" تهدد المحركات.. عجز بـ 40% يفوق قفزات البنزين

تواجه الأسواق العالمية عجزاً حاداً ومفاجئاً يصل إلى 40% في سوائل تزييت المركبات، لتصبح قطاعات الصيانة والمصانع كمن يدق ناقوس الخطر أمام أزمة صامتة تلوح في الأفق مع كل خمسة آلاف ميل تقطعها السيارات حول العالم. ف

بينما يتركز الاهتمام الدولي عادة على قفزات أسعار البنزين والوقود، بات هذا النقص الحاد يهدد زيوت المحركات التخليقية الحديثة — أو ما يُعرف بـ "الذهب السائل" لشدة أهميتها وحيويتها في حماية المحركات من "السكتة" والتوقف المفاجئ.

وجاءت التوترات الجيوسياسية الأخيرة وإغلاق المضائق الملاحية الحيوية لتجفف منابع زيوت الأساس التخليقية في السوق الدولية، مما وضع قطاع صيانة السيارات عالمياً أمام معضلة شح حقيقية.

وتكفي الإشارة إلى أسواق كبرى كالولايات المتحدة ، باعتبارها المستهلك الأكبر لهذه الإمدادات ، لرصد ملامح هذا الارتباك الذي سيمتد ليصبح أزمة عالمية تفرض قفزات قياسية في الأسعار وشحاً في المعروض بحلول شهر يونيو.

اختناق ملاحي

يعود السبب الرئيس وراء هذه الأزمة الحالية إلى الإغلاق المستمر لمضيق هرمز منذ أواخر شهر فبراير الماضي، حيث تضاعفت الأسعار الفورية لزيوت الأساس المتأثرة لتسجل مستويات قياسية غير مسبوقة.

وفي الوقت ذاته، قفزت أسعار العديد من زيوت المحركات بنسبة تقارب 35% وما زالت آخذة في الارتفاع وفقاً لمحللي القطاع.

وامتداداً لهذا الوضع، حذرت الجمعية المستقلة لمصنعي المزلقات من أزمة إمدادات عالمية وشيكة تخص الزيوت منخفضة اللزوجة، وهي الفئات الأكثر شيوعاً واستخداماً في المركبات الحديثة اليوم.

مخاوف يونيو

تتلقى ورش صيانة السيارات تحذيرات متتالية من الموردين بأن توفر هذه المنتجات سيكون معضلة حقيقية خلال شهر يونيو، وأن أنواعاً معينة من الزيوت ستصبح شحيحة للغاية، وسط توقعات بارتفاع هائل في الأسعار خلال الشهر ذاته.

ويتوقع خبراء الأسواق أن يدفع هذا الغلاء شريحة واسعة من المستهلكين إلى تأجيل عمليات صيانة وتغيير زيوت سياراتهم، مما قد يؤدي إلى انخفاض مؤقت في الطلب.

ورغم ذلك، لم تصل الأمور بعد إلى حد عجز الورش تماماً عن تقديم الخدمة، إلا أن المستهلك بات يتحمل وحده عبء التضخم والضغوط القادمة من كل حدب وصوب جراء الاضطرابات العالمية.

تكمن جذور المشكلة في ما يُعرف بزيوت الأساس من "المجموعة الثالثة" (Group III) والتي يتم استيرادها بشكل أساسي من منطقة الشرق الأوسط. ويوجه نحو 60% من هذه الزيوت نحو تصنيع زيوت المحركات واستخدامات السيارات الأخرى، فضلاً عن دورها الحيوي في تزويد قطاعات التصنيع الصناعي، والزراعة، والجيش بالمزلقات الضرورية لإبقاء الآلات الثقيلة قيد التشغيل.

ونظراً لأن زيوت المحركات الحديثة مصممة بهندسة دقيقة لتلبية متطلبات كفاءة الأداء الصارمة، فإنها تحتاج إلى هذه الزيوت المتخصصة تحديداً، كما أن حزم الإضافات الكيميائية المستخدمة ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً، مما يجعل إيجاد تركيبات بديلة أمراً يستغرق الكثير من الوقت والبحث.

ترخيص الطوارئ

لجأ معهد البترول الأمريكي، المسؤول عن وضع معايير هذا القطاع، إلى تفعيل "ترخيص provisional للمواقف الطارئة" لمنح الشركات المصنعة مرونة تتيح لها التحول نحو مصادر بديلة لزيوت الأساس، والتي غالباً ما تكون أقل جودة وغير متأثرة مباشرة بالتوترات الجيوسياسية .

ومع ذلك، فإن هذا الإجراء ليس إعفاءً عاماً، إذ يتطلب كل طلب إعفاء تقديم وثائق فنية مستقلة تثبت عدم المساس بمعايير الأداء والأمان.

وهذا يعني أن النقص في الأسواق الأمريكية لا يشمل جميع أنواع المزلقات، بل يتركز في الزيوت المتطابقة تماماً والممتثلة للمعايير الصارمة، مما يدفع لطمأنة المستهلكين بعدم الحاجة للهلع، بل بضرورة الاستعداد لموجة غلاء قادمة.

إشارات تحذيرية

انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي ومجتمعات قطاع الصيانة إشارات ساخرة وأخرى رسمية تعكس عمق الأزمة، حيث تداولت أوساط القطاع مذكرات داخلية من شركتي تويوتا ونيسان تحذر من النقص الحاد.

وقدمت تويوتا بالتعاون مع إكسون موبيل إرشادات لاستخدام بدائل للمزلقات، في حين أشارت نيسان إلى تراجع القدرة الإنتاجية لمعظم منتجات المزلقات، معلنة أنها ستخصص للإمدادات ما يعادل 55% فقط من أحجام العام الماضي وتبحث عن بدائل أخرى.

وفي السياق ذاته، حذرت شركات توزيع قطع الغيار الكبرى من أن قطاع السيارات يواجه أكبر نقص في سوائل التزييت في التاريخ الأمريكي الحديث بنسبة عجز تصل إلى 40%.

يمثل هذا النقص ضرراً جانبياً وتأثيراً متتابعاً لإغلاق المضيق، ما يعني أن عملية تغيير الزيت القادمة للمستهلكين قد تصبح صداعاً حقيقياً ومكلفاً ممتداً حتى عام 2027.

وتعد الفئات الأكثر تضرراً هي الزيوت التخليقية خفيفة اللزوجة مثل (0W-8) و(0W-16) و(0W-20). وفي الوقت الذي تمتثل فيه الشركات الكبرى مثل فالفولين، وإكسون موبيل، وشيفرون لمعايير صارمة وتكاليف مرتفعة، يتوقع الخبراء أن تستحوذ الشركات الصغيرة والعلامات التجارية الخاصة على حصة أكبر من السوق خلال هذه الأزمة.

ورغم سعي الشركات الكبرى لإنتاج هذه الزيوت محلياً في مصافي تكساس وميسيسيبي، إلا أن هذه المشاريع لن تدخل الخدمة الفعلية قبل أواخر عام 2026 أو حلول عام 2028.

شهد القطاع خلال ثلاثة أشهر فقط من اندلاع الصراع ثلاث موجات متتالية وسريعة من الارتفاعات الحادة في الأسعار، وهو أمر غير مألوف لقطاع يعتمد عادة على تحركات أسعار تدريجية ومتوقعة.

تبعات التكرير

حتى في حال إعادة فتح المضيق واستئناف تدفق النفط، فإن إمدادات المجموعة الثالثة لن تعود إلى طبيعتها قريباً بسبب حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت.

وتعتمد محركات السيارات الحديثة على هذه المجموعة تحديداً لسهولة تكريرها من أنواع نفطية معينة في الشرق الأوسط عبر تقنيات معالجة هيدروجينية متطورة.

وتجد الولايات المتحدة نفسها مكشوفة أمام هذه الأزمة لأنها تستحوذ على الحصة الأكبر من صادرات المنطقة، إذ إن ما تنتجه المصافي الأمريكية يعد ممتازاً لإنتاج البنزين لكنه ليس مثالياً لزيوت الأساس، حيث تأتي نسبة 44% من إمداداتها من الشرق الأوسط، ونحو 30% من كوريا الجنوبية التي تعتمد هي الأخرى على النفط الخام المستورد من الشرق الأوسط لتكرير زيوتها.

تواجه المصافي الأخرى حول العالم صعوبة بالغة في التحول لإنتاج زيوت المجموعة الثالثة، ويرجع ذلك أساساً إلى توجيه الطاقات الفائضة نحو إنتاج الديزل ووقود الطائرات، وهي منتجات تحقق أرباحاً أعلى وتواجه قيوداً في إمداداتها الخاصة.

وضمن برميل النفط الواحد، يُستهلك نحو 50% لإنتاج البنزين، و30% للديزل، وما يزيد قليلاً عن 10% لوقود الطائرات، بينما لا تحظى المزلقات سوى بحصة 1% فقط.

وعلى الرغم من ضآلة حجم هذه النسبة مقارنة بالبرميل، إلا أنها تمثل عنصراً حيوياً لا غنى عنه، إذ تظل الحاجة لزيت المحرك قائمة لتشغيل ملايين السيارات حول العالم، ما لم تكن سيارتك كهربائية بالكامل.