فلسفة ترامب العقارية تغرد خارج سرب الـ 39 تريليوناً

لم يمر سوى أقل من عام واحد منذ أن بدأ صقور السياسة المالية في واشنطن يعبرون عن قلقهم البالغ إزاء وصول الدين الوطني الأمريكي إلى محطة تاريخية جديدة بلغت 38 تريليون دولار، وهي اللحظة التي تجاوزت فيها مدفوعات الفائدة السنوية حاجز الـ 13 رقماً.

واليوم، وبعد مرور ما يزيد قليلاً عن 200 يوم فقط، قفز الدين الوطني للولايات المتحدة ليتجاوز حاجزاً جديداً. ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، فقد استقر حجم الدين عند 39.008 تريليون دولار.

وتكشف لغة الأرقام الصادمة أنه تم إضافة أكثر من تريليون دولار لدفاتر الديون منذ الثالث والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) لعام 2025، بمعدل نزيف مالي يقترب من 5 مليارات دولار يومياً.

ورغم أن الدين تجاوز عتبة الـ 39 تريليوناً لأول مرة في منتصف مارس (آذار) الماضي ثم تراجع دونها لعدة أسابيع، إلا أنه عاد ليتجاوز هذه القمة مجدداً وبقوة.

السكتة الاقتصادية

يتصاعد القلق على نطاق واسع بشأن مستويات الدين الحكومي، لاسيما عند مقارنتها بالناتج المحلي الإجمالي؛ حيث بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة نحو 123%، ما يعني بوضوح أن حجم الاقتراض الأمريكي بات أكبر من حجم الاقتصاد بأكمله، وهو ما يرفع منسوب المخاطر المتعلقة بقدرة الدولة على خدمة هذه الديون وسدادها.

وفي محاولة للسيطرة على هذه المعضلة، برزت دعوات نيابية حظيت بدعم من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري)، تطالب بضرورة خفض العجز الحكومي السنوي المستهدف ليكون عند حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من مستواه الحالي الذي يتجاوز 6%.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهوداً جبارة؛ إذ إن هذا الخفض الطفيف يتطلب تقليص العجز بمقدار 10 تريليونات دولار على مدار العقد المقبل للوصول إلى المستهدف بحلول عام 2036.

هذه الأزمة باتت تتصدر أجندة الاهتمامات في القطاعين العام والخاص؛ إذ يجدد "راي داليو"، مؤسس مجموعة "بريدجووتر وأسوشيتس"، تحذيراته القديمة من تعرض البلاد لـ "سكتة قلبية اقتصادية"، حيث ستلتهم مدفوعات خدمة الدين الاستثمارات العامة الحكومية. واللافت أن مدفوعات الفائدة الحالية باتت تعادل الآن إجمالي ما تنفقه الحكومة على التعليم والجيش معاً.

وفي ذات السياق، حذر "جيمي ديمون"، الرئيس التنفيذي لمجموعة "جي بي مورغان تشيس"، من أن سوق السندات سيكون هو المحرك الذي سيجبر واشنطن على التحرك، وذلك عندما يبدأ المستثمرون في المطالبة بعوائد أعلى للاستمرار في شراء الديون الأمريكية.

ورغم أن المستثمرين لا يزالون يتجهون نحو السندات الأمريكية باعتبارها الملاذ الأكثر أماناً في السوق، إلا أن ارتفاع السندات لأجل 30 عاماً نحو مستويات "الركود العظيم" يثير مخاوف حقيقية من عودة "حراس السندات" لفرض شروطهم على السوق.

منطق المطور العقاري

على الجانب الآخر، يمتلك الرئيس ترامب نظرة مغايرة تماماً للمشهد؛ ورغم إدراكه للمسار المالي الحرج للبلاد، واقتراحه لبعض الحلول الإنعاشية مثل فرض الرسوم الجمركية وبرامج "التأشيرات الذهبية" لإعادة التوازن، إلا أنه يحمل وجهة نظر بديلة .

يرى ترامب أن ديون البلاد ليست بهذا السوء إذا ما نُظر إليها من منظور "مطور عقاري"، أي عبر مقارنة الدين بالقيمة الإجمالية لأمريكا وأصولها الطبيعية الخارقة، مثل "الأخدود العظيم" (جراند كانيون) والمحيطات المحيطة بها.

ويقول ترامب: "إذا وضعت القيمة الدفترية لهذه الأصول الشاسعة، فستجد أنها تساوي مئات التريليونات من الدولارات"، وبناءً على هذا المقياس "إذا حافظت على الدين الوطني عند حدود 40 تريليون دولار، فأنت في حالة نقص شديد في الرفع المالي (أي أن ديونك أقل بكثير من قيمة أصولك)".

لكن هذه الفلسفة الاستثمارية لا بدو مقنعة لصقور الديون؛ وتؤكد "مايا ماكغينياس"، رئيسة "لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة"، أن تلاحق الأرقام القياسية للديون يفرض ضرورة عاجلة للسيطرة على الأوضاع المالية.

وحذرت قائلة: "الأسواق لن تتحمل اقتراضنا غير المستدام إلى الأبد، ومخاطر حدوث أزمة مالية تتزايد مع مرور الأيام.. نحن بحاجة عاجلة إلى خفض العجز".ت