سجلت شركة هوندا موتور اليابانية تحولاً حاداً في مسارها المالي والاستراتيجي، بعد إعلانها أول خسارة سنوية منذ نحو 70 عاماً كشركة مدرجة، في نتيجة تعكس حجم الاضطراب الذي أصاب خطة التحول نحو السيارات الكهربائية، وما رافقها من شطب أصول وإعادة هيكلة ضخمة تجاوزت 9 مليارات دولار.
وبحسب نتائج السنة المالية المنتهية في مارس، سجلت هوندا خسائر تشغيلية بلغت 414.3 مليار ين (2.63 مليار دولار)، مقارنة بأرباح قياسية بلغت 1.2 تريليون ين في العام السابق، وجاء الأداء أقل من توقعات المحللين، ما يعكس ضغطاً متزايداً على هوامش الربحية في ظل ارتفاع التكاليف وتباطؤ مبيعات السيارات.
وكان العامل الأبرز وراء هذا التراجع هو قطاع السيارات الكهربائية، الذي تكبّد وحده خسائر وشطوبات بلغت نحو 1.45 تريليون ين خلال العام، في وقت رفعت فيه الشركة تقديراتها لتكاليف إضافية بنحو 500 مليار ين في السنة المالية الحالية.
وتعود هذه الخسائر إلى إعادة تقييم أصول واستثمارات مرتبطة بخطط التوسع في المركبات الكهربائية، إلى جانب ضعف الطلب مقارنة بالتوقعات السابقة، وارتفاع تكلفة سلاسل الإمداد والتطوير التكنولوجي.
كما أشارت الشركة إلى أن إجمالي الشطب المرتبط باستثمارات السيارات الكهربائية قد يرتفع إلى 2.5 تريليون ين، ما يوضح حجم التراجع في العوائد المتوقعة من هذا المسار خلال السنوات المقبلة.
تراجع عن أهداف التحول الكهربائي
وفي خطوة لافتة، أعلنت هوندا التخلي عن هدفها بأن تمثل السيارات الكهربائية 20% من مبيعاتها بحلول عام 2030، إضافة إلى إلغاء هدف التحول الكامل إلى السيارات الكهربائية أو خلايا الوقود بحلول 2040، وهو ما يمثل مراجعة جذرية لاستراتيجيتها طويلة الأجل.
كما قررت الشركة تعليق مشروعها الضخم في كندا، الذي كان يستهدف إنشاء منظومة إنتاج للسيارات الكهربائية والبطاريات بقيمة تقارب 11 مليار دولار، وهو أحد أكبر الاستثمارات في تاريخ الشركة خارج اليابان.
وجاء إعلان النتائج خلال مؤتمر صحفي في طوكيو، حيث ظهر كل من ماساو كاواغوتشي، المدير المالي للشركة، وتوشيهيرو ميبي، ونوريا كايارا، نائب الرئيس التنفيذي، للإعلان عن النتائج وتوضيح ملامح المرحلة المقبلة من استراتيجية الشركة.
وتعكس هذه الخسارة الضخمة الضغوط التي تواجهها هوندا نتيجة التكاليف المرتفعة المرتبطة بالتحول نحو السيارات الكهربائية، إلى جانب عمليات إعادة تقييم للأصول والاستثمارات التي جرى تنفيذها خلال الفترة الماضية، في ظل تباطؤ الطلب العالمي على المركبات الكهربائية مقارنة بالتوقعات السابقة.
وقال الرئيس التنفيذي توشيهيرو ميبي، إن الشركة ستعيد توجيه أولوياتها نحو تحسين الكفاءة التشغيلية والربحية، بدلاً من التوسع السريع في أهداف التحول الكهربائي، في ظل ما وصفه بتباطؤ الطلب العالمي وعدم وضوح مسار السوق.
رغم الخسائر.. الأسواق تكافئ السهم
ورغم إعلان الخسائر، ارتفع سهم هوندا بنسبة 3.8% خلال التداولات، بعد أن أكدت الشركة التزامها بسياسة توزيعات سخية للمساهمين، تتضمن إعادة ما لا يقل عن 800 مليار ين خلال ثلاث سنوات، مع الإبقاء على توزيعات الأرباح عند 70 يناً للسهم.
ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس اعتماد الشركة المتزايد على قطاع الدراجات النارية، الذي يواصل تحقيق أداء قوي في أسواق مثل الهند والبرازيل، حيث سجل مستويات قياسية من المبيعات والأرباح، ما ساعد في تعويض جزء من خسائر قطاع السيارات.
لكن في المقابل، حذر محللون من أن هذا القطاع نفسه قد يواجه ضغوطاً مستقبلية مع توسع التحول نحو الكهرباء في أسواق رئيسية مثل الهند وفيتنام، ما قد يضغط على هوامش الربحية على المدى المتوسط.
توقعات حذرة للعام الحالي
ورغم التحديات، تتوقع هوندا العودة إلى الربحية خلال السنة المالية الحالية، مع تحقيق ربح تشغيلي متوقع يبلغ 500 مليار ين، مدفوعاً ببرامج خفض التكاليف وتحسن بعض الأسواق الخارجية.
لكن هذه التوقعات تبقى محاطة بالمخاطر، إذ أشارت الشركة إلى أن ارتفاع أسعار المواد الخام، إلى جانب تداعيات التوترات الجيوسياسية العالمية، بما في ذلك اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة، قد يؤدي إلى تراجع إضافي في الأرباح بنحو 313 مليار ين.
وتعكس أزمة هوندا تحولاً أوسع داخل قطاع السيارات العالمي، حيث تواجه شركات كبرى إعادة تقييم استراتيجياتها الكهربائية في ظل تباطؤ الطلب، وارتفاع تكاليف التطوير، وصعوبة التوسع في البنية التحتية للشحن.
ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد تباطؤاً في الاستثمارات الضخمة الموجهة للسيارات الكهربائية، مقابل تركيز أكبر على الهجينة وتحسين الربحية، بدلاً من التحول الكامل والسريع الذي كان سائداً خلال السنوات الماضية.
