كنز القرن.. اكتشاف ثروة خارقة مدفونة منذ ملايين السنين في أمريكا

كشفت تقديرات جيولوجية وصناعية حديثة أن الولايات المتحدة تمتلك ما قد يكون أحد أكبر مخزونات الليثيوم في العالم، داخل تكوين جيولوجي ضخم يُعرف باسم "كالديرا ماكدرميت"، وهو فوهة بركانية عملاقة خامدة منذ نحو 16.4 مليون سنة تقع على الحدود بين ولايتي نيفادا وأوريغون.

ووفقا لتقرير فني معتمد صادر عن شركة "ليثيوم أمريكا كوربوريشن" وفق معيار NI 43-101، فإن احتياطيات مشروع "ثاكر باس" داخل الكالديرا تُقدَّر بنحو 44.5 مليون طن من مكافئ كربونات الليثيوم.

كما تشير دراسات جيولوجية منشورة في دوريات علمية إلى أن الإمكانات الكلية داخل كالديرا ماكدرميت قد تصل نظريا إلى نحو 120 مليون طن، ما يضعها في صدارة الاكتشافات العالمية من حيث الحجم المحتمل.

مقارنة عالمية للاحتياطيات

وبحسب بيانات مقارنة، تمتلك بوليفيا في "سalar دي أويوني" نحو 21 مليون طن من الليثيوم، بينما لا تتجاوز احتياطيات تشيلي وأستراليا مجتمعتين نحو 20 مليون طن، في حين تُقدَّر موارد الولايات المتحدة المكتشفة في جبال الأبلاش بنحو 2.3 مليون طن فقط.

خصائص جيولوجية فريدة

تشكلت كالديرا ماكدرميت نتيجة انهيار بركاني هائل بين 16.37 و16.41 مليون سنة مضت، ما أدى إلى تكوين حوض مغلق امتلأ لاحقا ببحيرة قديمة.

وخلال فترات جيولوجية لاحقة، ساهمت سوائل حرارية مائية شديدة السخونة تتراوح درجاتها بين 200 و300 درجة مئوية في إعادة تشكيل المعادن داخل التكوين، ما أدى إلى تحويل معادن أولية إلى "إيليت" غني بالليثيوم قادر على الاحتفاظ بتركيزات مرتفعة من المعدن.

كما ساهم غياب أي تصريف مائي خارجي في احتجاز الليثيوم داخل النظام الجيولوجي، مما عزز من تراكمه على مدى ملايين السنين.

تركيزات مرتفعة غير معتادة

تشير تحليلات عينات لبّية إلى أن نسبة الليثيوم في طبقات الإيليت تتراوح بين 1.3% و2.4% من الوزن، مقارنة بمتوسط عالمي يقل عن 0.4%.

ويبلغ متوسط التركيز نحو 18 ألف جزء في المليون، مع وجود طبقة معدنية عالية الجودة يصل سمكها إلى نحو 30 مترا، ما يجعل عمليات التعدين السطحي أكثر جدوى اقتصادية.

مشروع "ثاكر باس" والإنتاج المتوقع

يُعد مشروع "ثاكر باس" أحد أبرز مشاريع استخراج الليثيوم في الولايات المتحدة، حيث تمتلك شركة "ليثيوم أمريكا" نحو 62% منه، فيما تمتلك شركة "جنرال موتورز" نحو 38% بعد استثمار بقيمة 625 مليون دولار.

كما حصل المشروع على قرض من وزارة الطاقة الأمريكية بقيمة 2.26 مليار دولار ضمن برنامج دعم تصنيع المركبات المتقدمة.

وتشير الخطط التشغيلية إلى مرحلتين رئيسيتين:

المرحلة الأولى: إنتاج 40 ألف طن سنويا من كربونات الليثيوم، ما يكفي لتزويد نحو 800 ألف سيارة كهربائية سنويا.

المرحلة الثانية: رفع الإنتاج إلى 80 ألف طن سنويا، بما يعادل بطاريات لنحو 1.6 مليون سيارة كهربائية سنويا.

وتقدر التكلفة الاستثمارية للمرحلة الأولى بين 1.3 و1.6 مليار دولار، مع توقع بدء الإنتاج التجاري في أواخر عام 2027، وفقا لتصريحات الشركة.

تطورات التنفيذ

بحسب بيانات المشروع، بلغت نسبة إنجاز الهندسة التفصيلية نحو 93% حتى نهاية 2025، فيما وصلت عمليات شراء المعدات إلى نحو 60%. ويعمل في الموقع حاليا نحو 950 موظفا، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 1800 عامل خلال ذروة أعمال البناء في 2026.

أبعاد جيوسياسية وسلاسل الإمداد

يأتي هذا التطور في وقت تهيمن فيه الصين على نحو 67% من عمليات معالجة الليثيوم عالميا، رغم امتلاكها نسبة محدودة من الاحتياطيات العالمية.

وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذا المشروع إلى إنشاء سلسلة إمداد متكاملة تشمل الاستخراج والمعالجة وتصنيع البطاريات محليا، بما يقلل الاعتماد على الخارج في قطاع يُعد استراتيجيا للتحول نحو الطاقة النظيفة.

اعتراضات السكان الأصليين

في المقابل، يواجه المشروع اعتراضات من قبائل السكان الأصليين، وعلى رأسها قبيلتا "فورت ماكدرميت بايوت وشوشون" و"رينو-سبرينغز"، إضافة إلى قبائل أخرى تعتبر الموقع مقدسا ويحتوي على مواقع دفن تاريخية.

وتشير هذه القبائل إلى أن الموقع المعروف لديهم باسم "بيهي موهوه" يحمل دلالات تاريخية مرتبطة بأحداث عنف وقعت عام 1865، وقد رفعت دعاوى قضائية للطعن في التراخيص البيئية وعمليات التشاور.

ورغم استمرار هذه الاعتراضات، سمحت المحاكم الفيدرالية باستمرار أعمال المشروع، بينما تؤكد الشركة التزامها بالمعايير البيئية وعمليات التشاور الرسمية.

سياق عالمي متغير

في ظل الطلب المتزايد على الليثيوم المستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية، يُنظر إلى مشروع "ثاكر باس" باعتباره أحد أهم التحولات الاستراتيجية في سلاسل إمداد المعادن الحيوية، مع سعي واشنطن إلى تقليل اعتمادها على الصين وتعزيز أمنها الصناعي في قطاع الطاقة المستقبلية.