حرب إيران تُبخر 896 مليون دولار من سيولة الصناعة العالمية

لم تقف تداعيات "حرب إيران" عند حدود الجغرافيا، بل تسللت سريعاً إلى "شيفرة" الثقة الائتمانية الدولية، محولةً الصراع إلى أزمة سيولة عابرة للقارات. نحن لا نتحدث هنا عن اضطراب عابر، بل عن تبخر نحو 896 مليون دولار من التدفقات النقدية لواحدة من كبرى قلاع الصناعة العالمية "ويرلبول"الرائد في قطاع تصنيع الأجهزة المنزلية والكهربائية  في ربع واحد فقط.

هذا الارتداد الجيوسياسي أوجد ما يسمى بـ "العاصفة الكاملة" في الميزانيات، حيث هوت ثقة المستهلك إلى قاع لم تشهده الأسواق منذ 50 عاماً، وتحديداً منذ شهر مارس الماضي، مما جعل شراء السلع المعمرة أو قرار  اقتناء أجهزة المطبخ أو الغسالات من عملية تبضع عادية إلى قرار استراتيجي مؤجل في ظل ضبابية الحرب وتضخم التكاليف الحاد.

صدمة الركود

وفقاً لتقرير نتائج الربع الأول الصادر عن شركة "ويرلبول" وبحسب ما جاء في مكالمة الأرباح الرسمية، أقر الرئيس التنفيذي مارك بيتزر بأن القطاع يواجه ركوداً صناعياً صريحاً بمستويات تتجاوز حدة الأزمات المالية السابقة.

وقد سجلت شحنات الصناعة انخفاضاً حاداً بنسبة 7.4% عالمياً، مع انحدار عمودي في شهر مارس وحده بلغ 10%.

هذا السقوط يعكس تحولاً جذرياً في سلوك المستهلك، الذي توقف عن النظر إلى الأجهزة المنزلية كسلع استهلاكية بسيطة، وبات يتعامل معها كأصول استثمارية تستوجب التريث الشديد قبل الإنفاق في ظل التهديدات الأمنية الإقليمية.

تكشف القوائم المالية المودعة لدى لجنة الأوراق المالية والبورصات عن ارتدادات قاسية مست هوامش الربح التي انكمشت لتصل إلى 1.3% فقط، مع تسجيل خسارة صافية في ربحية السهم بلغت 0.56 دولاراً.

وبحسب بيان التدفقات النقدية المعتمد، سجل العجز في السيولة الحرة رقماً مرعباً قدره 896 مليون دولار، يضاف إليها خسارة غير نقدية بلغت 0.32 دولار للسهم نتيجة تراجع قيمة الحصة في "بيكو أوروبا". هذا الضغط المالي الخانق أجبر المصانع على خفض أحجام الإنتاج بنسبة 20%، وهي خطوة كلف تنفيذها وحده نحو 60 مليون دولار في محاولة يائسة لتصريف المخزون المكدس.

قرارات مؤلمة

أمام هذا الجفاف الحاد في السيولة، وصف مجلس الإدارة قرار تعليق توزيعات الأرباح الربع سنوية بأنه كان "مؤلماً جداً" على المستثمرين، لكنه بات ضرورة حتمية لضمان سداد ديون تتجاوز 900 مليون دولار.

ولترميم هذا الجدار المالي المتصدع، لجأت الشركة لرفع 1.1 مليار دولار عبر طرح أسهم لتعزيز الموقف النقدي. وبالتوازي مع ذلك، شنت القيادة التنفيذية هجوماً سعرياً هو الأكثر عدوانية منذ ثلاثة عقود، شمل زيادة فورية تتجاوز 10%، تليها زيادة إضافية بنسبة 4% في يوليو المقبل، مع سحب كافة العروض الترويجية لمحاصرة نزيف القيمة الائتمانية.درع التصنيع

رغم قتامة المشهد، كشف التقرير عن تحركات هيكلية تهدف للصمود أمام الارتداد الجيوسياسي، حيث تستفيد الشركة من ميزة تصنيع 80% من منتجاتها داخل الولايات المتحدة. هذا التموضع يحميها جزئياً من تقلبات التعريفات الجمركية التي فرضت ضريبة مسطحة بنسبة 25% على القيمة المعلنة لكافة الأجهزة المستوردة.

وتتضمن خطة التعافي استثمار 60 مليون دولار في مصنع "بيريسبورج" بأوهايو، وتحديث منشأة "أمانا" في آيوا، بالإضافة إلى نقل عمليات الإنتاج من الأرجنتين إلى منشأة "ريو كلارو" في البرازيل لتوفير 45 مليون دولار بحلول عام 2026.

الحصان الرابح

في خضم هذا الركود العابر للقارات، برز قطاع أجهزة "كيتشن أيد" الصغيرة كاستثناء وحيد وقصة نجاح لافتة، حيث حقق نمواً في الإيرادات بنسبة 10% للربع السادس على التوالي، بهامش ربح قوي بلغ 21%.

ومع ذلك، أكد التقرير أن السلوك العام للمستهلك تحول نحو قطاع "قطع الغيار والإصلاح" كبديل عن الاستبدال الكامل للمنتجات.

وتستهدف الشركة حالياً خفض التكاليف بقيمة 150 مليون دولار عبر الأتمتة والابتكار، لتظل قادرة على المنافسة في عالم لم تعد فيه "الرفاهية المعيشية" مضمونة بانتظار هدوء العواصف التي أشعلتها شرارة الحرب في إيران.