"كاتدرائيات الجبن"بـــ 382 مليون دولار.. إيطاليا تحصن عملة "البارميجانو"

في قلب إقليم إميليا رومانيا بشمال إيطاليا، تخفي المستودعات الضخمة ذات المناخ المنضبط واحداً من أثمن الأصول في البلاد. هناك، على أرفف شاهقة، ترقد مئات الآلاف من عجلات جبن "بارميجانو ريجيانو" وهي تتعتّق ببطء وهدوء، لتزداد قيمتها مع مرور كل شهر.

بالنسبة للغرباء، تبدو هذه المخازن كـ "كاتدرائيات من الجبن"، أما بالنسبة لمنتجي الألبان في إيطاليا، فهي شريان حياة مالي لا غنى عنه. ويُعد هذا الجبن واحداً من أكثر الأغذية تنظيماً في العالم، حيث يُنتج في منطقة جغرافية محددة باستخدام ثلاثة مكونات فقط هي الحليب والملح والمنفحة، ويجب أن يتعتّق لمدة لا تقل عن 12 شهراً قبل بيعه.

حلول بنكية

يخلق هذا الانتظار الطويل "عنق زجاجة" مالياً للمنتجين؛ فالمزارعون مطالبون بدفع ثمن الحليب والأعلاف والطاقة والرواتب كل 30 يوماً، في حين أن الإيرادات لا تتدفق إلا بعد عام أو أكثر.

ولسد هذه الفجوة، يقوم بنك "كريديم" (Credem Bank) منذ أكثر من قرن بقبول عجلات الجبن كضمان للقروض. ويوضح جيانكارلو رافانيتي، مدير أعمال مستودعات الجبن في البنك، أن إيطاليا تنتج سنوياً حوالي 4 ملايين عجلة، يحتفظ البنك بنحو 500,000 عجلة منها كضمانات لتمويل العملاء، بينما يتعامل المستودع مع حوالي 2,300,000 عجلة سنوياً.

وتبلغ قيمة الجبن داخل هذه الخزائن مستويات مذهلة تصل إلى حوالي 325 مليون يورو (ما يعادل 382 مليون دولار).

بمجرد وصول العجلة إلى المستودع، تدخل نظاماً محكماً حيث يتم فحصها ضوئياً وتسجيلها في نظام رقمي يعمل كـ "جواز سفر" يسجل تاريخ الإنتاج والمصنع والحالة الراهنة.

ويتم التحكم في درجة الحرارة والرطوبة وتدفق الهواء بدقة فائقة، مع فحص الأرفف الخشبية يومياً من قبل موظفي المستودع للتأكد من سلامة العجلات من التشققات أو الرطوبة.

وعند بلوغ العجلة 12 شهراً، يقوم كونسورتيوم "بارميجانو ريجيانو" باختبار النقر التقليدي بمطرقة صغيرة؛ وفقط العجلات التي تصدر صوتاً نقياً وموحداً تحصل على الختم الحراري للجودة.

وبمجرد التسجيل والتعتيق، تُرهن العجلات كضمان يضمن للبنك وجود الأصول ومطابقتها للسجلات، ويؤكد رافانيتي أن البنك لم يخسر يورو واحداً طوال تاريخه في هذه القروض.

تحولات السوق

شهد عام 2025 تحولاً تاريخياً للقطاع الذي تبلغ قيمته 4 مليارات يورو (4.7 مليار دولار) ويضم 300 مصنع معتمد؛ حيث تجاوزت الصادرات نصف إجمالي المبيعات لأول مرة لتصل إلى 50.5%.

وبينما نما الطلب الدولي بنسبة +2.7%، انكمش السوق المحلي الإيطالي بشكل حاد نتيجة ارتفاع الأسعار، وسجلت الأسواق الدولية تبايناً ملحوظاً؛ حيث تراجعت فرنسا بنسبة -0.3% (14,800 طن)، واستقرت ألمانيا بنسبة +0.1% (10,400 طن)، بينما سجلت إسبانيا نمواً بنسبة +2.5% (1,850 طن)، والسويد قفزة بنسبة +8.8% (2,500 طن)، وكندا بنسبة +8.3% (3,900 طن)، والمملكة المتحدة بنسبة +7.8% (8,400 طن).

الرسوم الجمركية

يُعد السوق الأمريكي الأكبر خارجياً بنمو +2.3% (16,800 طن)، لكنه يظل الأكثر تقلبات؛ ففي أواخر عام 2025، ارتفع إجمالي الرسوم الجمركية إلى 25%، مما دفع المستوردين للتوقف مؤقتاً مطلع عام 2026 لتقييم الأثر الاقتصادي. وتتزامن هذه الضغوط مع ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج بسبب التضخم، حيث ارتفعت تكاليف الأعلاف والطاقة والخدمات اللوجستية بشكل كبير.

وقد انعكس ذلك على أسعار المستهلك في إيطاليا؛ حيث انخفضت مبيعات الأحجام بنسبة 10%، ووصل سعر العجلات المعتّقة لـ 12 شهراً إلى 13.22 يورو/كجم (بزيادة 20.6%)، والعجلات المعتّقة لـ 24 شهراً إلى 15.59 يورو/كجم (بزيادة 24.8%)، في حين ارتفع الإنتاج الإجمالي إلى 4.19 مليون عجلة.

 السيادة الغذائية

يسعى قطاع "بارميجانو ريجيانو"، الذي يمثل حوالي 50,000 شخص، إلى التكيف عبر الابتكار؛ حيث تسمح تكنولوجيا "البلوكشين" الآن برهن العجلات حتى وهي مخزنة في مرافق المنتجين، مما ضاعف قدرة البنوك على الإقراض.

كما تستهدف  رابطة المنتجين " الكونسورتيوم"  تعزيز السياحة لزيادة الزيارات المخصصة لمصانع الجبن من 85,000 إلى 300,000 زيارة بحلول عام 2029. ورغم كونه "سوبر فود" طبيعياً خالياً من اللاكتوز والبروتين والإضافات، يحذر المنتجون من أن الارتفاع الكبير في الأسعار قد يدفع المستهلكين نحو البدائل الأقل تكلفة مثل جبن "جرانا بادانو".