من ممر بحري إلى محرك تضخم: ما قصة "هرمز" في زمن الأزمات؟

ى
ى

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق يربط الخليج بالأسواق العالمية، بل تحوّل إلى مؤشر حيوي يقيس استقرار الاقتصاد الدولي،. ففي لحظات التوتر، لا تتأثر فقط شحنات النفط، بل تمتد التداعيات إلى أسعار النقل والغذاء، وصولا إلى مستويات التضخم التي يشعر بها المستهلك في حياته اليومية، هنا، تتقاطع الجغرافيا السياسية مع الأسواق المالية، وتتحول الجغرافيا إلى عامل مباشر في تشكيل الأسعار العالمية.

يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال.

هذه الأرقام تجعل أي اضطراب - ولو مؤقتاً - قادرا على إحداث صدمة فورية في أسواق الطاقة. ومع تصاعد الأزمة، لم يعد الأمر مجرد مخاطر محتملة، بل تحول إلى واقع ملموس، حيث تراجعت حركة السفن التجارية ( نفط ، سلع زراعية، غذائية، مواد خام .. وغيرها من بنود التجارة العالمية ) بشكل حاد تجاوزت نسبته 95 ‎%‎، ما أدى إلى خلل مباشر في الإمدادات العالمية انعكس في ارتفاع الاسعار جراء قلة المعروض وتزايد الطلب .

في الظروف الطبيعية، تتحرك أسعار النفط وفق معادلة العرض والطلب، لكن مع أزمة هرمز، دخل عامل جديد بقوة يحمل عنوان: علاوة المخاطر الجيوسياسية. فقد ارتفع خام برنت إلى نحو 120 دولارا خلال ذروة التوترات، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع إذا استمرت الأزمة، ولم تعد الأسعار تعكس فقط التوازنات الاقتصادية، بل أصبحت تعبيرا عن مستوى القلق العالمي، كما أدى اضطراب الإمدادات إلى خفض تشغيل المصافي عالميا ، ما زاد الفجوة بين النفط الخام والمنتجات النهائية، وزاد من تعقيد السوق.

التضخم الخفي

رغم أن النفط يحتل العناوين الرئيسية، فإن الديزل هو الحلقة الأخطر في نقل الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي. فمع ارتفاع هوامش التكرير، ترتفع تكاليف النقل البري، ما يؤدي إلى زيادة أسعار الشحن، ثم انتقال هذه الزيادات إلى أسعار السلع والغذاء. بهذا الشكل، يصبح الديزل أداة غير مباشرة لنقل التضخم، حيث يشعر المستهلك بارتفاع الأسعار قبل أن يلحظ تغيرًا كبيرًا في سعر الوقود نفسه.

في الخلفية، تتشكل أزمة أقل وضوحا لكنها أكثر عمقا تتعلق بالغاز الطبيعي المسال، فمع تراجع تدفقات الشحن، انخفض الإنتاج العالمي، وتركزت آثار الأزمة في الأسواق الآسيوية الأكثر اعتمادا على الإمدادات عبر المضيق. وهذا يعني ارتفاع تكاليف الكهرباء والصناعة، ما يضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد العالمي.

مفاوضات غامضة

في موازاة هذه التطورات، تلعب المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران دورا حاسما في تحديد مسار الأزمة. فغياب الوضوح بشأن مستقبل هذه المفاوضات - سواء استمرارها أو توقفها - يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى الأسواق.

وتشير التقديرات إلى أن أي انفراج سياسي قد يهدئ الأسعار سريعًا، بينما يؤدي التصعيد إلى ترسيخ موجة التضخم لفترة أطول.

وفي هذا السياق، يبرز دور الكونغرس الأمريكي الذي منح إدارة دونالد ترامب مهلة تصل إلى 60 يوما في سياق التعامل مع الأزمة، إلا أن الموقف الأمريكي لا يزال غير محسوم، خاصة في ظل تصريحات تؤكد أن الخيارات مفتوحة، وأن الالتزام بمسار تفاوضي محدد ليس مضمونا

هذا الغموض السياسي ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، حيث تتحول الأسواق من متابعة المؤشرات الاقتصادية التقليدية إلى مراقبة التصريحات السياسية، ما يعزز تقلبات الأسعار ويؤخر أي استقرار محتمل.

النقل والطاقة

لم تتوقف تداعيات الأزمة عند النفط، بل امتدت إلى قطاعات النقل كافة. ففي الطيران، ارتفعت أسعار وقود الطائرات بشكل ملحوظ، ما انعكس مباشرة على أسعار التذاكر والشحن الجوي. وفي النقل البحري، تراجعت حركة السفن بأكثر من 95 %، مع ارتفاع تكاليف التأمين وزيادة زمن الشحن، ما أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار السلع عالميا.

مفارقة الأسواق

في الأزمات، عادة ما يتجه المستثمرون إلى الذهب كملاذ آمن، لكن هذه المرة كان المشهد مختلفًا. فمع ارتفاع أسعار الفائدة، تراجع الذهب رغم التوترات، في مفارقة تعكس صراعا بين القلق الجيوسياسي والسياسات النقدية المتشددة.

الغذاء… الأكثر تضررا

التأثير الأعمق لأزمة إغلاق مضيق هرمز يظهر في قطاع الغذاء، حيث تنتقل الأزمة من الطاقة إلى الإنتاج الزراعي. فارتفاع أسعار الوقود والأسمدة يزيد من تكاليف الزراعة، ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار الغذاء. وهنا تتضح السلسلة الكاملة للأزمة.

موجة تضخم

تتفق المؤسسات الدولية على أن اضطراب ممرات الطاقة العالمية يؤدي إلى موجة تضخم تمتد من الوقود إلى الغذاء ثم إلى المستهلك.

أزمة إغلاق مضيق هرمز لم تعد حدثا إقليميا، بل أصبحت آلية عالمية لنقل الأزمات الاقتصادية. فما يبدأ بتعطل ممر بحري، ينتهي بارتفاع تكلفة الحياة اليومية في مختلف أنحاء العالم.

وفي عالم مترابط بهذه الدرجة ، لم تعد الجغرافيا بعيدة…

بل أصبحت حاضرة في كل فاتورة يدفعها الإنسان.