"تسلا" تنتعش بالحرب!

في مفارقة اقتصادية فرضتها طبول الحرب في الشرق الأوسط، ووسط اشتعال حرب إيران وبلطجتها على مضيق هرمز، استعادت السيارات الكهربائية جاذبيتها المفقودة في الأسواق الأمريكية؛ فبينما كان إغلاق "شريان الطاقة العالمي" يهدد بخنق إمدادات النفط، وتزامن ذلك مع إلغاء الحوافز الضريبية الذي كاد يفتك بمبيعات "تسلا"، جاء الارتفاع الحاد في أسعار البنزين ليعيد رسم خارطة أولويات المستهلك لصالح تسلا هذه المرة. 

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن بيان لشركة تسلا اليوم الخميس إن الشركة باعت عدداً أكبر قليلاً من السيارات خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 مقارنة بالعام السابق، في إشارة إلى أن ارتفاع أسعار البنزين نتيجة الحرب مع إيران قد يدفع المزيد من المستهلكين إلى اختيار السيارات الكهربائية.

وأضافت تسلا أنها سلّمت 358,023 مركبة على مستوى العالم من يناير حتى مارس، مقارنة بـ 336,681 خلال الفترة نفسها من العام السابق. وعلى الرغم من أن الزيادة كانت صغيرة وأقل قليلاً من توقعات المحللين، فإنها كانت ملحوظة لأن المشترين في الولايات المتحدة لم يستفيدوا من الإعفاءات الضريبية الفيدرالية التي كانت قائمة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، والتي كانت تخفّض ما يصل إلى 7,500 دولار من سعر الشراء.

وبعد أن ألغى الكونغرس هذا الإعفاء في نهاية سبتمبر، انخفضت مبيعات السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة بأكثر من الثلث. ولا يعكس الارتفاع في تسليمات تسلا هذا الاتجاه، لكنه يعد أحدث مؤشر على أن ارتفاع تكاليف الوقود يساعد في إحياء مبيعات السيارات الكهربائية.

ويحذر مسؤولو شركات السيارات من أن الأمر يستغرق عادة عدة أشهر من استمرار ارتفاع أسعار الوقود حتى يتحول المستهلكون إلى سيارات أكثر كفاءة. لكن هناك مؤشرات أولية على أن المزيد من الناس بدأوا على الأقل في التفكير في السيارات الكهربائية أو الهجينة، التي تحتوي على محركات بنزين وبطاريات. كما أن بعض الطرازات الكهربائية تحقق مبيعات جيدة.

وقالت شركة هيونداي يوم الأربعاء إن مبيعات سيارتها الكهربائية «أيونيك 5» في الولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 13% في مارس. وقالت كيا، التي تسيطر عليها هيونداي، إن مبيعات طرازاتها الكهربائية ارتفعت بنسبة 30% خلال الربع الأول.

وسجّل قسم كاديلاك التابع لشركة جنرال موتورز زيادة بنسبة 20% في مبيعات الطرازات الكهربائية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وهو ما يشكّل تناقضاً واضحاً مع مبيعات الشركة الإجمالية التي انخفضت بنسبة 10%.

وعادة ما تكون السيارات الكهربائية أغلى بآلاف الدولارات من السيارات المماثلة التي تعمل بالوقود الأحفوري، لكن المالكين قد يعوضون هذا الفرق من خلال توفير الوقود. فالكهرباء تكون عادة أرخص لكل ميل مقارنة بالبنزين، خاصة للأشخاص الذين يمكنهم شحن سياراتهم في المنزل.

وتبقى القدرة على تحمّل التكاليف من أبرز اهتمامات المستهلكين، ومع انخفاض أسعار السيارات الكهربائية، قد يصبح سعر البنزين عاملاً أكثر تأثيراً في قرار نوع السيارة التي سيتم شراؤها. وبالمقارنة مع عام 2022 ، و  آخر مرة تجاوز فيها متوسط سعر البنزين 4 دولارات للغالون في الولايات المتحدة باتت تتوفر نماذج كهربائية أكثر، كما انخفضت الأسعار.

كما يبدو أن ارتفاع أسعار البنزين يدفع الناس أيضاً إلى شراء السيارات الهجينة. ومن المرجح أن تستفيد شركتا تويوتا وهوندا على المدى الطويل بسبب مجموعتهما الواسعة من السيارات الهجينة، التي يمكنها قطع مسافات قصيرة باستخدام البطارية وتوفر كفاءة وقود أفضل من السيارات التي تعمل بالبنزين فقط.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تتضرر شركات فورد وجنرال موتورز وستيلانتس، المصنعة لسيارات كرايسلر وجيب، لأنها تحقق معظم أرباحها من الشاحنات الكبيرة وسيارات الدفع الرباعي التي تستهلك كميات أكبر من الوقود.

وقد ارتفع متوسط سعر السيارة الجديدة إلى أكثر من 50,000 دولار، وهو ما أصبح خارج قدرة العديد من المشترين. كما أن ارتفاع أسعار البنزين يجعل شراء السيارات الجديدة أكثر صعوبة، وقد يدفع بعض المشترين إلى البحث عن طرق لتوفير المال.

وقال ليني لاروتشا، الذي يقود ممارسات قطاع السيارات في الولايات المتحدة لدى شركة الاستشارات «كي بي إم جي»، إنه عادة ما «يستغرق الأمر من أربعة إلى ستة أشهر لتغيير سلوك الناس أو دفع مبيعات السيارات الأصغر»، وأضاف: «اليوم الأمر مختلف قليلاً لأنني أعتقد أن هناك مشكلة حقيقية في القدرة على تحمّل التكاليف».

وقالت مواقع التسوق الخاصة بالسيارات مثل «إدموندز» و«كار غورو» إن المزيد من المتسوقين بدأوا بالبحث عن السيارات الكهربائية منذ بداية الحرب مع إيران في 28 فبراير. وارتفع عدد الأشخاص الذين يتصفحون السيارات الكهربائية الجديدة على «كار غورو» بنسبة 31% خلال شهر مارس، بينما ارتفعت عمليات البحث عن السيارات الهجينة بنسبة 15%.

وقال كيفن روبرتس، مدير الاستخبارات الاقتصادية والسوقية في «كار غورو»، في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «يتجه المتسوقون نحو خيارات أكثر عملية وأقل تكلفة مع ارتفاع التكاليف بشكل عام».

كما ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية المستعملة، التي تكلّف تقريباً نفس تكلفة السيارات التي تعمل بالبنزين، بنسبة 29% في يناير وفبراير، حتى قبل بدء ارتفاع أسعار البنزين، وفقاً لشركة «كوكس أوتوموتيف».

ويعد ذلك مؤشراً على أن العديد من المستهلكين مستعدون لاختيار السيارات الكهربائية إذا تمكنوا من تحمل تكلفتها، وفي أوروبا، تمثل السيارات الهجينة والسيارات التي تعمل بالكامل بالبطاريات بالفعل 67% من سوق السيارات الجديدة.

ويعتقد العديد من التنفيذيين في قطاع السيارات أن السيارات الكهربائية ستحل في نهاية المطاف محل السيارات التي تعمل بالبنزين مع تحسّن التكنولوجيا وانخفاض الأسعار. ومن بينهم جون ماكنيل، عضو مجلس إدارة جنرال موتورز ومؤلف كتاب «الخوارزمية».

وقال ماكنيل في مقابلة: «من الصعب نوعاً ما تحدي الجاذبية إذا كان هناك منتج أفضل يتمتع بخصائص قيادة أفضل وصيانة أقل بكثير وتكلفة إجمالية أقل للملكية».