إغلاق مضيق هرمز يهدد موارد ملايين المزارعين في العالم

يتجلى الوجه الأسوأ للحروب في القرن الحادي والعشرين؛ في الشبكات المعقدة من سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها العالم في كل شيء تقريباً، والتي تتأثر بأبسط حدث بغض النظر عن مكانه على خارطة العالم. وبما أن مضيق هرمز جزء من البنية التحتية للغذاء العالمي؛ فإن الاعتداءات الإيرانية وإغلاق المضيق لا ترفع أسعار النفط وحدها، بل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كلفة إنتاج القمح والأرز والذرة، ما يضغط على الفقراء قبل غيرهم، ذلك أن صدمات الغذاء بطبيعتها أكثر قسوة على الاقتصادات الهشة والأسر محدودة الدخل.

لم يعد مضيق هرمز في هذه الحرب مجرد اسم يتكرر كلما اضطربت أسواق النفط أو قفزت أسعار الخام؛ فالممر البحري الضيق الذي اعتاد العالم النظر إليه بوصفه شرياناً للطاقة، أخذ يكشف وجهاً آخر أشد عمقاً وأبعد أثراً؛ يرتبط بالزراعة والغذاء. فكل اضطراب يضرب هرمز لا ينعكس على ناقلات النفط وحدها، بل يمتد إلى الغاز، ثم إلى الأسمدة، ثم إلى الحقول، قبل أن يصل في النهاية إلى أسعار الخبز والحبوب والغذاء على موائد ملايين البشر. ولهذا تحذّر مؤسسات دولية، من الأمم المتحدة إلى منظمة الأغذية والزراعة، من أن ما يجري ليس مجرد صدمة في الطاقة، بل هي صدمة مركبة تطال التجارة والنقل والمدخلات الزراعية والأمن الغذائي معاً. وتصف «الفاو» هذه الحلقة بأنها «صدمة منهجية» تصيب النظم الزراعية والغذائية عالمياً، بينما تشير «الأونكتاد» إلى أن هرمز يحمل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة، بما يجعل أي تعطل فيه ذا أثر يتجاوز الإقليم إلى العالم كله.

من النفط إلى القمح

تكمن خطورة هذه الحرب في أنها تصيب نقطة التقاء نادرة بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد الزراعي. فوفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، يمر عبر مضيق هرمز ما بين 20% و30% من صادرات الأسمدة العالمية، بما يشمل اليوريا والأمونيا والفوسفات والكبريت. وهذه ليست سلعاً هامشية، بل المدخلات الأساسية التي يقوم عليها إنتاج محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز والذرة. وعندما ترتبك الملاحة في هذا الممر، فإن العالم يخاطر باختناق أحد أهم شرايين الزراعة الحديثة.

يظهر الأثر الأوضح في الأسمدة النيتروجينية، ذلك أن اليوريا والأمونيا ترتبطان مباشرة بأسعار الغاز الطبيعي. فكل صعود في الغاز ينعكس على كلفة إنتاجهما، وكل تعطل في الشحن أو التأمين أو النقل يضيف طبقة أخرى من التضخم. وقد نبّهت «الأونكتاد» صراحةً إلى أن ارتفاع أسعار الغاز يدفع عادةً أسعار الأسمدة النيتروجينية إلى الارتفاع، في وقت تشهد فيه الأسواق أصلاً حساسية مفرطة تجاه أي نقص في الإمدادات أو زيادة في كلفة الطاقة.

غير أن العقدة الأشد خفاءً، والأكثر أهمية، تكمن في الكبريت. فـ«الفاو» تشير بوضوح إلى أن منطقة الخليج تستحوذ على نحو نصف تجارة الكبريت العالمية، والكبريت هو المادة الحيوية لإنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في معالجة صخور الفوسفات وتحويلها إلى أسمدة. وهذه النقطة بالذات تشرح لماذا لا يمكن اختزال أزمة هرمز في اليوريا والأمونيا فقط؛ إذ إن أي اضطراب في تدفقات الكبريت يهدد أيضاً سلاسل إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، بما يوسّع نطاق الصدمة.

ومن هنا، ينتقل السؤال من: كم سيرتفع سعر السماد؟ إلى: ماذا سيحدث للمحصول حين يتراجع استخدام السماد أو يتأخر وصوله؟ حيث تحذّر «الفاو» من أن أي خفض، حتى إن بدا محدوداً، في استخدام الأسمدة قد يقود إلى تراجعات غير متناسبة في الإنتاجية، خاصة في البلدان التي تستخدم أصلاً مستويات منخفضة من المدخلات الزراعية. وهذا ما يجعل أزمة الأسمدة تتجاوز كونها أزمة أسعار؛ إلى أزمة إنتاج محتملة، وأزمة حصاد مؤجل، وأزمة غذاء قد تظهر نتائجها بعد أشهر، حين يكون العالم قد نسي بعض ضجيج المعركة، لكنه يبدأ بدفع ثمنها في الأسواق والحقول.

صدمة مركبة

تعمل هذه الحرب، في بعدها الجيو-اقتصادي، عبر ثلاث طبقات متداخلة؛ طبقة التعطل المادي لحركة الملاحة، وطبقة الكلفة من تأمين وشحن ووقود، وطبقة توقعات السوق التي تسعّر المستقبل قبل قدومه. وقد أشارت تقارير أممية حديثة إلى أن الاضطراب في هرمز قاد إلى تراجع شديد في حركة العبور، بينما أوضحت «الفاو» أن حركة الناقلات عبر هذا الممر هبطت بأكثر من 90% في الأيام الأولى للتصعيد. وحتى حين تواصل بعض السفن عبورها، فإن التأمين الحربي يقفز إلى مستويات تثقل التجارة الدولية، إذ حذرت المنظمة من أن أقساط التأمين ارتفعت من نحو 0.25% إلى ما قد يصل إلى 10% من قيمة السفينة في بعض الحالات. وهذه كلفة إضافية تُحمَّل على السماد، ثم على المزارع، ثم على المستهلك النهائي.

ولأن الأسواق لا تنتظر اكتمال الكارثة كي تتحرك، فقد بدأت الأسعار تستجيب مبكراً. تقول «الفاو» إن سماد اليوريا في الشرق الأوسط ارتفعت 19% في الأسبوع الأول من مارس، بينما قفزت اليوريا المصرية 28%، مع توقعات بأن يبلغ متوسط الزيادة العالمية في أسعار الأسمدة بين 15% و20% في النصف الأول من عام 2026 إذا استمرت الأزمة. ويعزز المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية هذا التوقع بالإشارة إلى أن أسعار اليوريا في الشرق الأوسط تجاوزت 590 دولاراً للطن في مطلع مارس. ومغزى ذلك أن السوق بدأ بالفعل يترجم القلق الجيوسياسي إلى تضخم فعلي في مدخلات الإنتاج الزراعي، حتى قبل أن تتضح المدة النهائية للأزمة أو تتبلور خرائط ما بعدها.

تشير التقارير الدولية إلى أن بلداناً مثل الهند وبنغلاديش وسريلانكا، إضافة إلى عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء مثل الصومال وكينيا وتنزانيا وموزمبيق، تبدو بين الأكثر تعرضاً للمخاطر، سواء بسبب اعتمادها على الواردات، أو بسبب ضعف قدرتها على امتصاص قفزات الأسعار، أو لارتباط مواسمها الزراعية بتدفق منتظم للأسمدة. وفي الوقت نفسه، قد يطال الأثر كبار المنتجين الزراعيين مثل البرازيل.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في شدة الأزمة، بل في مدتها. فـ«الفاو» ميّزت بوضوح بين تعطل قصير يمكن امتصاصه نسبياً خلال أشهر، وتعطل ممتد لثلاثة أشهر أو أكثر قد يغير قرارات الزراعة لمواسم كاملة، ويخفض الغلال في المحاصيل كثيفة الاستخدام للأسمدة، ويدفع بأسعار الغذاء إلى موجة جديدة من الارتفاع. ولهذا لا يبدو ملف الأسمدة تفصيلاً فنياً في هامش الحرب، بل أحد أكثر وجوهها حساسية وخطورة.. فحين يختنق السماد، تتضور الموائد.