تذبذب الأسواق العالمية.. والتكنولوجيا تعزز الأسهم والنفط والذهب يتراجعان

شهدت الأسواق العالمية جلسة حافلة بالتقلبات، عكست تداخلاً واضحاً بين قوة أرباح الشركات الكبرى، وتبدل المزاج الاستثماري تجاه أسهم التكنولوجيا، إلى جانب تأثيرات السياسة النقدية والتطورات الجيوسياسية على أسواق السلع والعملات. وبينما واصلت الأسهم الأوروبية تسجيل مستويات قياسية جديدة، سادت الانتقائية والحذر أسواق آسيا، في وقت تعرضت فيه أسعار النفط والمعادن النفيسة لضغوط ملحوظة.

في أوروبا، واصلت الأسهم مسارها الصاعد مدعومة بزخم قوي في قطاعي التكنولوجيا والخدمات المالية، حيث سجل مؤشر «ستوكس 600» مستوى قياسياً جديداً مع تحسن المعنويات عقب صدور نتائج أعمال إيجابية، إلى جانب بيانات أظهرت متانة غير متوقعة للاقتصاد الألماني.

وأسهمت القفزة القوية لأسهم شركات الرقائق، وفي مقدمتها الشركة الهولندية العملاقة لصناعة معدات أشباه الموصلات، في تعزيز شهية المخاطرة، مدفوعة بالطلب العالمي المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. في المقابل، تعرضت بعض القطاعات لضغوط، خصوصاً شركات السلع الفاخرة والطاقة، وسط عمليات جني أرباح وتغيرات في توقعات الطلب العالمي.

وسجلت الأسهم الأوروبية ارتفاعاً قياسياً جديداً اليوم ⁠الخميس، مدعومة بأسهم قطاعي التكنولوجيا والمالية مع تقييم المستثمرين بيانات أرباح إيجابية وإشارات ‌على متانة الاقتصاد الألماني.

وارتفع المؤشر ستوكس 600 لعموم أوروبا 0.5 بالمئة إلى 614.57 نقطة. وصعدت أسهم التكنولوجيا 2.3 بالمئة لتحوم قرب مستويات سُجلت آخر مرة في عام 2000 في حين صعد سهم الخدمات المالية 2.2 بالمئة.

وقفز سهم شركة (إيه.⁠إس.إم.إل) الرائدة في صناعة معدات الرقائق الإلكترونية 11.2 بالمئة إلى مستوى قياسي متجاوزة عتبة القيمة السوقية البالغة 500 مليار دولار بعد أن عززت الأرباح القوية من (تي.إس.إم.⁠سي)، منتج رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة الرئيسي في العالم، المعنويات في قطاع أشباه الموصلات.

وقال شان رايتاتا كبير خبراء الاقتصاد لدى إنفستمنت استراتيجي جروب التابعة لفانجارد «أوروبا متأخرة في الإنفاق الرأسمالي عندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. هناك اختناقات يجب أن نكون على دراية بها، ولكن من شبه المؤكد أن هناك دورا أكبر يمكن أن تلعبه صناعة التكنولوجيا الأوروبية عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي».

وتعززت ‌الأسهم المالية بتحديثات ‌قوية من شركة ⁠شرودرز البريطانية لإدارة الأموال وشركة الاستثمار المباشر السويسرية بارتنرز جروب.

نتائج قوية

وفي الولايات المتحدة، افتتحت «وول ستريت» على ارتفاع بدعم من أسهم شركات الرقائق بعد نتائج قوية لإحدى أكبر شركات تصنيع الرقائق في العالم، ما أعاد الزخم لقطاع التكنولوجيا عقب جلسات من التراجع. وجاء هذا الأداء في وقت يقيم فيه المستثمرون نتائج البنوك الكبرى، التي عكست قوة في أنشطة التداول والخدمات المصرفية الاستثمارية، لكنها لم تُبدد بالكامل المخاوف المتعلقة بمسار أسعار الفائدة. ورغم الافتتاح الإيجابي، لا يزال الحذر مسيطراً مع ترقب توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي في ظل بيانات اقتصادية متباينة.

وارتفعت المؤشرات الرئيسية في ‌وول ستريت مع بداية التعاملات اليوم الخميس بعد أن أعلنت شركة تي.إس.إم.⁠سي تحقيق نتائج أعمال فصلية ممتازة، مما أدى إلى موجة ⁠صعود في شركات صناعة الرقائق، وذلك في وقت يقيم فيه المستثمرون نتائج أعمال مورجان ستانلي وجولدمان ساكس مع اختتام موسم نتائج البنوك ‌الكبرى. وارتفع المؤشر ‌داو ⁠جونز الصناعي 51.5 نقطة أو 0.10 بالمئة، إلى 49201.1 نقطة، وصعد المؤشر ستاندرد اند بورز ‍500 بواقع 42.9 نقطة أو 0.62 بالمئة إلى 6969.46 نقطة، وتقدم ‍المؤشر ناسداك المجمع 222.2 نقطة أو 0.95 بالمئة إلى 23693.969.

الأسهم اليابانية

في اليابان، تراجع مؤشر نيكي عن مستوى قياسي بلغه في الجلسة السابقة، منهياً سلسلة مكاسب استمرت ثلاثة أيام، بعدما فقدت أسهم التكنولوجيا زخمها وتعرضت الشركات المصدرة لضغوط نتيجة تعافي الين الياباني من أدنى مستوياته في نحو عام ونصف. وجاء انتعاش العملة اليابانية بعد تحذيرات رسمية من تحركات مفرطة في سوق الصرف، إضافة إلى دعوات أمريكية لبنك اليابان لاعتماد سياسات أكثر توازناً لمواجهة تقلبات العملة، ما انعكس سلباً على أسهم الشركات الكبرى المعتمدة على التصدير. وفي الوقت نفسه، واصل مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً تسجيل مستويات قياسية مدعوماً بأداء قوي لأسهم قطاعات غير تكنولوجية، في إشارة إلى تباين داخلي في السوق اليابانية يعكس تحولاً في توجهات المستثمرين.

وانخفض المؤشر نيكي 225 بنسبة 0.4 بالمئة ليغلق عند 54110.50، منهياً مكاسب استمرت ثلاثة أيام دفعت المؤشر إلى أعلى مستوى على الإطلاق أمس الأربعاء. وارتفع المؤشر توبكس الأوسع نطاقاً 0.7 بالمئة ليسجل أعلى مستوى ⁠إغلاق على الإطلاق عند 3668.98.

وقال واتارو أكياما محلل الأسهم في شركة نومارا سيكيوريتيز إن السوق اليابانية أظهرت نمطا مشابها لوول ستريت حيث ضغطت أسهم التكنولوجيا على سوق كانت منتعشة، فيما زاد تأثير العملة من التحديات التي تواجه الشركات المحلية الكبرى.

وأضاف «قدم ‌الاقتصاد الأمريكي المتين ‌وتوقعات استمرار خفض أسعار ⁠الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) بعض الدعم لقطاعات أخرى غير قطاع التكنولوجيا. وانخفضت أسهم الشركات المرتبطة بالتصدير بوجه عام بسبب ارتفاع قيمة الين مؤخرا».

وارتفع 144 سهماً على المؤشر نيكي مقابل تراجع 77. وهبط سهم شركة شيفت لخدمات البرمجيات 8.5 بالمئة ليكون أكبر الخاسرين على المؤشر، يليه سهم مجموعة سوفت بنك التي ‍تتمتع بثقل كبير في قطاع الذكاء الاصطناعي بانخفاض 4.9 بالمئة.

وكانت أكبر الرابحين على المؤشر سهم ريوهين كيكاكو بارتفاع 11.8 بالمئة، يليه سهم بايكارنت للخدمات الاستشارية الذي قفز 6.4 بالمئة.

الأسواق الآسيوية

وامتدت موجة التراجع إلى معظم الأسواق الآسيوية، حيث سجلت مؤشرات الأسهم في هونغ كونغ وشنغهاي وتايوان خسائر ملحوظة، متأثرة بتراجع أسهم شركات التكنولوجيا والرقائق، في حين حققت أسواق كوريا الجنوبية وأستراليا مكاسب محدودة بدعم من عوامل محلية. وعكست هذه التحركات حالة من الحذر والترقب بين المستثمرين في المنطقة، في ظل غياب محفزات قوية قصيرة الأجل، واعتماد كبير على اتجاهات الأسواق الأمريكية وتطورات السياسة النقدية العالمية.

وفي وول ستريت، أغلقت المؤشرات الأمريكية على انخفاض، متأثرة بشكل خاص بتراجع مؤشر ناسداك المثقل بأسهم التكنولوجيا، بعدما قادت هذه الأسهم موجة صعود حادة في الفترة الماضية رفعت التقييمات إلى مستويات مرتفعة. وجاء التراجع في ظل عمليات جني أرباح واسعة، ومع تزايد القناعة بأن مجلس الاحتياطي الاتحادي قد يبقي أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول مما كان متوقعاً في السابق، مدعوماً ببيانات اقتصادية أظهرت متانة سوق العمل الأمريكي واستمرار الضغوط التضخمية.

وفي أسواق السندات، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية مع توجه المستثمرين نحو الأصول التي تُعد أكثر أماناً، في خطوة تعكس ارتفاع مستويات القلق بشأن آفاق النمو والأسواق المالية خلال المرحلة المقبلة. وساهم هذا التحول في الضغط على الأسهم ذات التقييمات المرتفعة، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا، الذي بات أكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة.

أسواق الطاقة

أما في أسواق الطاقة، فقد تعرضت أسعار النفط لهبوط حاد، منهية سلسلة مكاسب استمرت خمسة أيام، بعدما هدأت المخاوف بشأن احتمال تصعيد عسكري في الشرق الأوسط. وجاء التراجع عقب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى تراجع حدة القمع في إيران وعدم وجود خطط حالية لتنفيذ عمليات إعدام واسعة، ما خفف من احتمالات تدخل عسكري أو تعطل الإمدادات النفطية من المنطقة، وأدى إلى تراجع علاوة المخاطر التي كانت قد دعمت الأسعار في الأيام السابقة. وزاد من الضغوط على أسعار النفط صدور بيانات أمريكية أظهرت ارتفاع مخزونات الخام والبنزين بأكثر من المتوقع، إلى جانب تقارير تفيد بعودة محتملة لبعض الإمدادات من فنزويلا مع استئناف الصادرات النفطية.

وهوت أسعار النفط أكثر من ⁠ثلاثة دولارات اليوم الخميس وتتجه لإنهاء سلسلة مكاسب استمرت خمسة أيام، وذلك بعد أن قال الرئيس ‌الأمريكي دونالد ترامب إن إزهاق الأرواح في حملة قمع الاحتجاجات واسعة النطاق في إيران يتراجع، مما هدأ من المخاوف حيال شن عمل عسكري على طهران وتعطل الإمدادات. وبحلول الساعة 1713 بتوقيت جرينتش، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت 3.11 دولارات أو 4.68 بالمئة إلى 63.41 دولاراً للبرميل، وهبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 3.04 دولارات أو ⁠4.9 بالمئة إلى 58.98 دولاراً للبرميل.

وارتفع الخامان القياسيان إلى أعلى مستوى في عدة أشهر على مدى الجلسات القليلة الماضية.

وقال ترامب إنه تلقى معلومات عن تراجع حدة أعمال القتل في حملة القمع الإيرانية للاحتجاجات وإنه يعتقد أنه لا توجد خطة حالية لتنفيذ عمليات ⁠إعدام واسعة النطاق، متبنيا موقف الانتظار والترقب بعد أن هدد في وقت سابق بالتدخل.

ورغم هذا التراجع، لا تزال التوقعات متوسطة الأجل لسوق النفط تتسم بالحذر الإيجابي، في ظل تقديرات منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التي تشير إلى نمو مستقر في الطلب العالمي خلال السنوات المقبلة، وتوازن نسبي بين العرض والطلب في عام 2026، على خلاف توقعات أخرى تحذر من تخمة كبيرة في المعروض.

المعادن النفيسة

وفي سوق المعادن النفيسة، تراجع الذهب بشكل طفيف بعد أن سجل مستويات قياسية في الجلسات السابقة، متأثراً بصعود الدولار الأمريكي وتراجع الطلب على الملاذات الآمنة مع انحسار التوترات الجيوسياسية. وأسهمت بيانات إعانة البطالة الأمريكية، التي جاءت أضعف من المتوقع، في تعزيز قوة الدولار ودعم التوقعات بإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، ما قلل من جاذبية الذهب الذي لا يدر عائداً. كما شهدت الفضة والبلاديوم تراجعات أكبر بعد مكاسب قوية، في ظل عمليات تصحيح وجني أرباح.

انخفض الذهب اليوم الخميس بعد صعود الدولار ⁠بسبب بيانات إعانة البطالة الأسبوعية الأضعف من المتوقع في الولايات المتحدة، في حين خفف ‌الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة لهجته بشأن إيران، مما أثر على الطلب على المعدن النفيس الذي يعد ملاذا آمنا. وبحلول الساعة 1610 بتوقيت جرينتش، تراجع الذهب في المعاملات الفورية 0.1 بالمئة إلى 4614.97 دولاراً للأوقية (الأونصة). وسجل المعدن الأصفر في الجلسة الماضية مستوى قياسياً بلغ 4642.72 ⁠دولاراً. وهبطت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير شباط 0.3 بالمئة إلى 4619.80 دولاراً.

أسواق العملات

وفي أسواق العملات، واصل الدولار الأمريكي صعوده مقابل سلة من العملات الرئيسية، مدعوماً ببيانات اقتصادية إيجابية نسبياً، وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة في المدى القريب. وفي المقابل، بقي الين الياباني تحت الضغط رغم محاولات التعافي، وسط مخاوف من سياسات مالية توسعية واحتمالات تدخل رسمي في سوق الصرف، بينما تراجع اليورو متأثراً باتساع الفجوة في السياسة النقدية بين الولايات المتحدة ومنطقة اليورو. كما شهدت العملات المشفرة تراجعاً محدوداً، مع انخفاض عملة بتكوين، في ظل عودة الحذر إلى الأسواق عالية المخاطر.

وتعكس هذه التحركات مجتمعة دخول الأسواق العالمية مرحلة جديدة تتسم بحساسية أعلى تجاه البيانات الاقتصادية والتصريحات السياسية، وبانخفاض مستوى التسامح مع المفاجآت السلبية. ومع تراجع الزخم الذي قادته أسهم التكنولوجيا، وتحول التركيز نحو الأساسيات الاقتصادية، يبدو أن المستثمرين باتوا أكثر انتقائية في قراراتهم، في انتظار إشارات أوضح بشأن مسار السياسة النقدية العالمية، وآفاق النمو، والتطورات الجيوسياسية. وفي ظل هذا المشهد، يرجح أن تبقى الأسواق عرضة لتقلبات متواصلة خلال الفترة المقبلة، مع انتقالها من مرحلة الصعود السريع إلى مرحلة أكثر توازناً وحذراً، تتطلب قراءة دقيقة للمخاطر والفرص على حد سواء.