حققت الإمارات نجاحاً كبيراً واستثنائياً في مسيرتها العمرانية وكان القطاع العقاري أحد أعمدتها الرئيسة، فعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، لم يُنظر إلى العقار في الإمارات ودبي بوصفه قطاعاً تقليدياً، بل كأداة استراتيجية لبناء الاقتصاد، واستقطاب الاستثمار، وتعزيز مكانة الإمارة على الخريطة العالمية.
ورسّخ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي رعاه الله، منذ توليه الحكم عام 2006، رؤية واضحة تقوم على جعل دبي مدينة عالمية مفتوحة للاستثمار، وقادرة على المنافسة في أصعب الظروف، وكان أول محاور هذه الرؤية إرساء بيئة تشريعية مرنة وجاذبة، تُحقق التوازن بين حماية المستثمر وتحفيز المطور، فشهدت دبي إطلاق منظومة قوانين تنظم الملكية العقارية، وتُرسخ مفهوم التملك الحر للأجانب، وتدعم الشفافية عبر التسجيل العقاري، ما أسهم في تعزيز الثقة طويلة الأجل بالسوق.
وفي إطار توجيهاته، تحوّل القطاع العقاري إلى محرك للنمو الاقتصادي، لا مجرد نشاط إنشائي، فالمشاريع الكبرى لم تُبنَ بهدف البيع فقط، بل صُممت لتكون مراكز جذب سكاني وسياحي واستثماري، مثل الجزر الاصطناعية، والمجتمعات المتكاملة، والمناطق متعددة الاستخدامات، وقد انعكس ذلك في تنويع الطلب العقاري بين السكني، والتجاري، والفندقي، واللوجستي، بما خفف من حدة الدورات التقليدية للسوق.
كما أولى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد اهتماماً خاصاً بربط العقار بالبنية التحتية، فكانت الاستثمارات الضخمة في شبكات الطرق، والمترو، والمطارات، والموانئ، عاملاً حاسماً في رفع قيمة الأصول العقارية، وتحسين جودة الحياة، ولم يكن تطوير البنية التحتية هدفاً مستقلاً، بل جزءاً من رؤية عمرانية شاملة تجعل من دبي مدينة صالحة للعيش والعمل والاستثمار في آن واحد.
وفي سياق تعزيز استدامة القطاع العقاري، جاءت توجيهات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مدعومة بسلسلة من المبادرات والسياسات بعيدة المدى التي أعادت رسم ملامح السوق ورفعت من جاذبيته العالمية، فقد شكّلت مبادرة التملك الحر للأجانب نقطة تحول تاريخية، أسهمت في توسيع قاعدة المستثمرين الدوليين، وربط السوق المحلي بتدفقات رأس المال العالمية، كما أرست دبي نموذجاً فريداً في المنطقة يقوم على الانفتاح العقاري المنظم.
وفي الإطار التنظيمي، تم إطلاق وتطوير منظومة متكاملة من التشريعات والهيئات، وفي مقدمتها تعزيز دور دائرة الأراضي والأملاك، وتفعيل أنظمة التسجيل العقاري، وحسابات الضمان للمشاريع على الخارطة، بما عزّز مستويات الشفافية وحماية حقوق المستثمرين والمشترين على حد سواء، وأسهمت هذه التوجيهات في رفع مستوى الثقة بالسوق، وتحويل دبي إلى مرجع إقليمي في الحوكمة العقارية.
كما جاءت مبادرات الإقامة المرتبطة بالاستثمار العقاري، وفي مقدمتها الإقامة الذهبية وطويلة الأمد، لتشكل رافعة مباشرة للطلب العقاري، إذ ربطت تملك العقار بالاستقرار الأسري والمهني، ووسّعت شريحة المستثمرين من الأفراد ورواد الأعمال وأصحاب الثروات، ولم تكن هذه المبادرات مجرد أدوات جذب سكاني، بل جزءاً من رؤية أوسع تستهدف بناء مجتمع مستدام قائم على الاستقرار طويل الأجل.
وعلى صعيد التخطيط العمراني، أطلق الشيخ محمد بن راشد توجيهات واضحة بضرورة الانتقال من التطوير التقليدي إلى المجتمعات المتكاملة، ما انعكس في مشاريع تجمع بين السكن والعمل والترفيه والخدمات، وتتماشى مع أعلى معايير جودة الحياة، وتوّجت هذه الرؤية بإطلاق خطة دبي الحضرية 2040، التي وضعت العقار في قلب التخطيط السكاني، وربطت النمو العمراني بالبنية التحتية، والمساحات الخضراء، وإسكان المواطنين وتطوير مراكز تنمية رئيسة.
كما تركّز استراتيجية دبي للقطاع العقاري 2033، التي أُطلقت بتوجيهات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، على تحقيق قفزة نوعية في مؤشرات السوق، من خلال زيادة حجم التعاملات العقارية بنسبة 70%، بما يعزّز القيمة الإجمالية للسوق العقاري في الإمارة إلى نحو تريليون درهم، كما تستهدف الاستراتيجية مضاعفة قيمة المحافظ العقارية لتصل إلى 20 مليار درهم، في خطوة تعكس رؤية قيادية بعيدة المدى لترسيخ مكانة دبي أحد أكبر وأكثر الأسواق العقارية تطوراً وجاذبية عالمياً.
ويعكس الأداء القياسي للسوق ثمار هذه الرؤية طويلة الأمد، إذ سجّلت تصرفات عقارات دبي خلال عام 2025 أعلى قيمة للتصرفات العقارية في تاريخ الإمارة، لتصل إلى نحو 920 مليار درهم، في مستوى غير مسبوق يؤكد قوة الطلب، وعمق السيولة، وجاذبية السوق للمستثمرين المحليين والدوليين، ويعكس هذا الرقم التاريخي متانة الأسس التي بُني عليها القطاع العقاري خلال العقدين الماضيين، وقدرته على تحقيق نمو مستدام رغم التقلبات العالمية.
