كشف أحدث تقرير لنضج الذكاء الاصطناعي لعام 2026، الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية BCG، عن أن نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات يتركز في قطاعات اقتصادية ذات قابلية متوسطة إلى مرتفعة للتأثر بالذكاء الاصطناعي والاستفادة من تطبيقاته؛ ما يعكس التقدم الذي أحرزته الدولة في تنويع اقتصادها وتوسيع قاعدة الأنشطة القائمة على البيانات والمعرفة، إلى جانب القطاعات التقليدية كثيفة الأصول، مثل الطاقة والخدمات اللوجستية.
وهذه النسبة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي يسهم حالياً بنصف الناتج المحلي الإجمالي، وإنما تعكس حجم الأنشطة الاقتصادية التي تمتلك فرصاً للاستفادة من تطبيقاته. وتبرز الميزة التنافسية للإمارات في امتلاكها بنية تحتية رقمية متطورة، ومرونة حكومية، وقدرات مؤسسية متقدمة، تتيح لها تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب فعلية في الإنتاجية والابتكار والنمو الاقتصادي، والتقدم على اقتصادات أخرى قد تمتلك حصصاً أكبر من القطاعات المعرفية، لكنها تفتقر إلى المقومات اللازمة لاستثمار هذه الفرص.
الاقتصادات المنافسة
أكد الدكتور أكرم عوض - المدير الإداري والشريك في مجموعة بوسطن الاستشارية BCG - أن الإمارات تواصل تقدمها نحو مصاف الدول الرائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي، بعدما حافظت على موقع متقدم ضمن فئة الاقتصادات المنافسة في النسخة الثانية من مؤشر المجموعة العالمي لنضج الذكاء الاصطناعي، الذي شمل 79 اقتصاداً، مشيراً إلى أن الدولة تمتلك قاعدة قوية من القدرات ومستويات عالية من الجاهزية تتيح لها منافسة الاقتصادات الأكثر تقدماً في هذا المجال.
وقال عوض، في تصريحات لـ«البيان»: إن أبرز عناصر القوة التنافسية للإمارات تتمثل في قدرتها على توظيف رأس المال السيادي لبناء قدرات تكنولوجية متقدمة، وإقامة شراكات استراتيجية عالمية، إلى جانب التوسع الكبير في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من خلال مشروعات ضخمة، أبرزها «ستارغيت الإمارات». وقد شهدت الدولة خلال العامين الماضيين تحولاً مهماً من التركيز على بناء البنية التحتية إلى توسيع تبني الذكاء الاصطناعي لتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية ملموسة، مؤكداً أن المنافسة العالمية لم تعد تقاس بامتلاك الاستراتيجيات أو البنية التحتية الأقوى، وإنما بسرعة تحويل هذه الإمكانات إلى فرص اقتصادية جديدة، وخفض التكاليف التشغيلية، وتحسين جودة الحياة.
حالة استثنائية
وأشار عوض إلى أن القطاع المصرفي والخدمات المالية والتكنولوجيا وتجارة التجزئة، إلى جانب القطاع الحكومي، ستكون الأكثر استفادةً من الذكاء الاصطناعي في المرحلة الأولى، نظراً إلى اعتمادها الكبير على البيانات وسهولة تبني التقنيات الجديدة؛ فالقطاع الحكومي الإماراتي يمثل حالة استثنائية بفضل تقدمه الرقمي، بينما سوف تشمل المرحلة الثانية قطاعات الخدمات اللوجستية والطاقة والعقارات، مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي المادي والروبوتات.
صناعات متقدمة
أكد عوض أن الذكاء الاصطناعي يفتح أمام الإمارات فرصاً لدخول صناعات متقدمة لم تكن تمتلك فيها حضوراً واسعاً بالأساليب التقليدية، مستشهداً بصناعة السيارات؛ حيث تمكنت إحدى الشركات العالمية من إنشاء مصنع في الإمارات يعتمد بصورة رئيسة على الذكاء الاصطناعي خلال أشهر قليلة، وصولاً إلى تسليم أول سيارة. وأما في قطاع الصناعات الدوائية فإن الإمارات تحتضن شركات متقدمة في اكتشاف الأدوية باستخدام الذكاء الاصطناعي، وصلت إلى مراحل التجارب السريرية؛ ما يعكس قدرة التكنولوجيا على تسريع ظهور صناعات جديدة وخلق فرص اقتصادية كبيرة. وأما في مجال المدن الذكية فإن دبي وأبوظبي تقدمان نموذجين عالميين متقدمين في توظيف التكنولوجيا لتحسين الخدمات وجودة الحياة، وقد حلت دبي في المركز الثاني عالمياً بعد لندن في مؤشر BCG للمدن الذكية للعام الجاري 2026، الذي شمل 61 مدينة في 39 دولة، وتصدرت عالمياً في محور تبني التقنيات الذكية.
وما يميز تجربة دبي هو امتلاكها رؤية استراتيجية واضحة، مدعومة باستثمارات مستمرة في البيانات والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب التكامل بين القطاعين الحكومي والخاص، الذي أسهم في تحويل الاستراتيجيات إلى خدمات فعلية يستفيد منها السكان.
واختتم عوض حديثه مؤكداً أن نتائج استطلاعات السكان أظهرت مستويات مرتفعة من استخدام الخدمات الذكية والرضا عنها في دبي، وأن نجاح المدن الذكية لا يقاس بحجم الاستثمارات التكنولوجية وحدها، وإنما بقدرتها على تقديم خدمات أفضل، وتوفير الوقت، وتحسين جودة حياة السكان.


