من انهيار تجارة اللؤلؤ إلى «سنوات البطاقة».. أزمات اقتصادية صنعت ملامح دبي الحديثة

قبل أن تصبح دبي مركزاً عالمياً للتجارة والطيران والسياحة والمال، وقبل ظهور النفط والموانئ العملاقة وناطحات السحاب، كان اقتصاد الإمارة مرتبطاً إلى حد بعيد بالبحر. ومن مياه الخليج كانت تأتي واحدة من أثمن سلع ذلك الزمن وهو: اللؤلؤ الطبيعي. فلعقود طويلة، لم يكن اللؤلؤ مجرد حرفة يمارسها بعض البحارة، وإنما كان منظومة اقتصادية واجتماعية كاملة يعيش منها الغواص والنوخذة والسيب وصاحب السفينة والتاجر والممول، وتمتد شبكاتها التجارية من دبي إلى الهند ومنها إلى أوروبا وأسواق أخرى.

لكن تلك المنظومة تعرضت في النصف الأول من القرن العشرين لانهيار قاسٍ، تزامن لاحقاً مع اندلاع الحرب العالمية الثانية ونقص الغذاء وتعطل طرق التجارة، لتدخل دبي مرحلة بقيت حاضرة في ذاكرتها الشعبية باسم «سنوات البطاقة»؛ وهي قصة استعادها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في رسالة نشرها سموه أمس، رابطاً بين سنوات الجوع والعوز وبين فلسفة دبي اللاحقة في تنويع الاقتصاد والانفتاح على التجارة.

تعود صناعة اللؤلؤ في الخليج إلى آلاف السنين. وساعدت المياه الدافئة والضحلة على وجود محار ينتج بعض أجود أنواع اللؤلؤ الطبيعي، وهو ما جعل الخليج على مدى قرون واحداً من أهم مصادر اللآلئ في العالم. ويشير متحف اللؤلؤ التابع لبنك الإمارات دبي الوطني إلى أن لآلئ الخليج الطبيعية كانت تصل إلى مناطق تمتد من الهند إلى البحر المتوسط وما وراءه، وكانت رمزاً للثروة والمكانة الاجتماعية.

وفي دبي تحديداً، تداخل نشاط الغوص مع الموقع الجغرافي للإمارة وقدرتها المتنامية على التجارة. ومع استقرار آل مكتوم في دبي عام 1833، نما التجمع السكاني حول الخور، وتحول الممر المائي تدريجياً إلى قلب اقتصادي تصل إليه السفن وتغادر منه رحلات الغوص والتجارة.

وكان موسم اللؤلؤ حدثاً اقتصادياً واجتماعياً ينتظره المجتمع بأكمله. ينطلق الرجال إلى البحر، أحياناً لفترات طويلة، بينما تنتظر العائلات على الساحل حصيلة الموسم التي يمكن أن تحدد أوضاعها الاقتصادية لأشهر مقبلة.

لكن خلف هذه الرحلات كانت توجد منظومة مالية وتجارية متطورة بمقاييس عصرها. فهناك من يمول الرحلة، ومن يمتلك السفينة، ومن يغوص، ومن يشتري اللآلئ ويفرزها، ثم التجار الذين ينقلونها إلى الأسواق الخارجية.

335 سفينة

وتكشف الأرقام حجم الصناعة التي دارت حولها الحياة الاقتصادية في الخليج. ففي 1907 كان نحو 74 ألف شخص يعملون في قطاع اللؤلؤ بالمنطقة، فيما بلغ عدد سفن الغوص العاملة من موانئ الخليج في ذروة الصناعة نحو 4500 سفينة. أما دبي، فتضاعف فيها عدد سفن اللؤلؤ بأكثر من ثلاث مرات بين عامي 1844 و1907، ليصل إلى 335 سفينة، وهو رقم يعكس حجم اعتماد المدينة على القطاع ومكانتها المتنامية مركزاً لتجارة اللؤلؤ.

وكانت اللؤلؤة التي يعثر عليها غواص في الخليج تستطيع أن تبدأ رحلة تجارية طويلة. تنتقل إلى التاجر، ثم إلى الهند، ولا سيما سوق بومباي، قبل أن تجد طريقها إلى تجار المجوهرات والعملاء في أسواق بعيدة.

وهكذا اكتسبت دبي مبكراً مهارات اقتصادية ستصبح لاحقاً من أهم عناصر نجاحها: التجارة الخارجية، والتمويل، والوساطة، والملاحة، والتفاوض، وإدارة المخاطر وبناء العلاقات مع الأسواق الدولية. لكن اعتماد شريحة واسعة من المجتمع على قطاع واحد حمل في داخله خطراً كبيراً لم يتضح حجمه إلا عندما بدأت المنظومة كلها في الاهتزاز.

عندما انكسرت اللؤلؤة

لم يحدث انهيار صناعة اللؤلؤ في يوم واحد، ولا يمكن إرجاعه إلى سبب منفرد. فبعض الدراسات تشير إلى أن الصناعة كانت تواجه مشكلات منذ السنوات الأولى من القرن العشرين. وتؤكد دراسة أكاديمية منشورة في مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية أن أزمة عام 1929 أدت إلى مشكلات اقتصادية حقيقية في دبي، التي كانت تشهد حركة تجارية مهمة مقارنة بإمارات الساحل المتصالح الأخرى.

وتكشف مقارنة عدد السفن حجم التحول. ففي حين كان في دبي 335 مركباً للؤلؤ عام 1907، تشير السجلات إلى أن 60 مركباً بقيت في الميناء خلال موسم 1929، في صورة تختصر الأزمة التي أصابت القطاع. وهنا بدأت دبي تواجه السؤال الأصعب: ماذا تفعل مدينة عندما يفقد أهم مورد اقتصادي لديها قيمته؟

من سفن اللؤلؤ إلى سفن التجارة

وفي روايته لـ«سنوات البطاقة»، يشير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى أن الآباء بدأوا بتحويل مراكب الغوص إلى مراكب تجارية تحمل السلع بين العراق وإيران وعُمان والهند وغيرها. كان ذلك التحول بالغ الدلالة؛ فالبحر الذي فقد جزءاً كبيراً من قيمته كمصدر للؤلؤ أصبح ممراً للتجارة. وتؤكد وزارة الخارجية أن المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، اتجه إلى تعويض عائدات اللؤلؤ عبر نشاط الشحن والتجارة، وهو تحول سيكون لاحقاً أحد الأسس التي قامت عليها استراتيجية دبي الاقتصادية.

الحرب العالمية الثانية.. الضربة الثانية

لكن قبل أن يتمكن الاقتصاد الجديد من التقاط أنفاسه، جاءت صدمة أكبر. فقد اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939، وفي منطقة تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المواد الغذائية، كانت اضطرابات الملاحة العالمية ونقص الإمدادات كارثة حقيقية. وفي رسالته التي استعاد فيها تلك المرحلة، وصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ما حدث بأنه ضربتان متتاليتان تعرضت لهما دبي: الأولى انكسار الاقتصاد عقب انهيار صناعة اللؤلؤ، والثانية الحرب العالمية التي قطعت الإمدادات وعطلت خطوط التجارة. وخلال الحرب، خضعت حركة المواد والبضائع لقيود ورقابة بريطانية مرتبطة باحتياجات الحرب، فيما أصبحت الشحنات التي تصل إلى المنطقة محدودة.

وتفاقمت أزمة الغذاء فوق أزمة اقتصادية قائمة أصلاً. وانتشر الفقر والعوز، واضطرت بعض الأسر إلى الاعتماد على أبسط أنواع الطعام.

ولم يكن الجوع وحده الخطر. فمع قلة الغذاء والمياه النظيفة وضعف الخدمات الطبية، انتشرت أمراض مثل الجدري والحمى والكوليرا والتهابات العيون والأمراض المرتبطة بسوء التغذية وتلوث المياه، وفق الرواية التي نقلها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن تلك الحقبة.

ومن هنا ظهر الاسم الذي بقي عالقاً في الذاكرة: «سنوات البطاقة». فمع اشتداد الأزمة ونقص المواد الغذائية، كان لا بد من إيجاد طريقة تضمن توزيع الكميات القليلة المتاحة بين السكان. وقد تم توزيع بطاقات على الأسر للحصول على حصص محددة من المواد الغذائية الأساسية، في محاولة لحماية السكان، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفاً، من الجوع. ومن تلك البطاقات جاء الاسم الشعبي للمرحلة: «سنوات البطاقة». ولم تكن هذه بطاقة دعم بالمعنى الحديث، وإنما أداة لإدارة الندرة: هناك كمية محدودة من الطعام، وعدد كبير من المحتاجين، وبالتالي يصبح تنظيم التوزيع ضرورة اجتماعية.

درس المورد الواحد

وقد خرجت دبي من تلك التجربة بدرس اقتصادي بالغ الأهمية: الاعتماد على مورد واحد يمكن أن يجعل المجتمع بأكمله معرضاً لصدمة تأتي من خارج حدوده. فالمدينة لم تكن تتحكم في الطلب العالمي على اللؤلؤ، ولا في الكساد العالمي، ولا في ظهور المنتج المنافس، ولا في الحرب التي أغلقت طرق التجارة.

وفي رسالته إلى شباب دبي، ربط صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مباشرة بين تلك التجربة والسياسات التي تبناها الشيخ راشد لاحقاً، قائلاً سموه إن الشيخ راشد وأهل دبي رأوا كيف يمكن أن تنهار الاقتصادات التي تعتمد على مورد واحد، وكيف تستطيع التجارة أن تكون شريان حياة للمدينة. ومن هنا يمكن فهم قرارات اقتصادية اتخذتها دبي لاحقاً بصورة أوضح.

وكان لا بد من فتح المدينة أمام التجارة، وكان لا بد من تطوير الخور ليستوعب حركة أكبر للسفن، ثم بناء الموانئ والطرق والمطار وغيرها من البنية التحتية التي تجعل المدينة نفسها منصة للتجارة، بدلاً من ربط مستقبلها بسلعة واحدة.

وقد تحول خور دبي تدريجياً من بوابة لسفن الغوص إلى شريان للتجارة. ومع حكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، دخلت دبي مرحلة واسعة من الاستثمار في البنية التحتية. وكان تعميق الخور وتطويره قراراً محورياً، لأنه سمح بدخول سفن أكبر وزيادة حركة البضائع. وتواصلت الرؤية لاحقاً مع بناء الموانئ والمطار وشبكات الطرق والمناطق التجارية، وصولاً إلى ميناء راشد ثم جبل علي والمناطق الحرة. وقد تغيرت السفن، وتغيرت البضائع، لكن المبدأ بقي قريباً من المبدأ الذي عرفته دبي في زمن اللؤلؤ: اجعل المدينة نقطة اتصال بين المنتج والمستهلك وبين الشرق والغرب.