الكلمة تحكي قصة تحوّل هائلة لانتقال الدولة من اقتصاد ارتبط بالنفط إلى منظومة متنوعة
ترسيخ مكانة الإمارات عالمياً واحة للاستقرار والطموح والتسامح والابتكار والإنجازات
الإعلام الإماراتي بات قطاعاً اقتصادياً يخلق الشركات والوظائف والاستثمارات والصادرات
وفي دولة مثل الإمارات، نجح اقتصادها في الوصول إلى قمة، فيما تصبح الكلمة شريكاً مهماً وصوتاً عذباً في صناعة الاقتصاد ورسم المستقبل.
نحن أمام قصة تحول هائلة، انتقلت فيها الإمارات من اقتصاد ارتبط بالنفط إلى منظومة متنوعة تتقدم فيها التجارة والتمويل والتصنيع والبناء والتكنولوجيا والسياحة والاقتصاد الجديد.
المستثمر يحتاج إلى المعلومة قبل أن يضع أمواله، والسائح يحتاج إلى الصورة قبل أن يحجز تذكرته، ورائد الأعمال يحتاج إلى فهم التشريعات والفرص قبل أن يؤسس شركته، والمستهلك يحتاج إلى المعرفة قبل اتخاذ قراره.
رفيق على مدى عقود
ولم يكن دوره أن يقول للعالم إن الإمارات تتغير فحسب، وإنما أن يجعل هذا التغيير مرئياً ومفهوماً.
وحين تنقل وسائل الإعلام أخبار تأسيس الشركات، وصفقات الاستحواذ، والمشروعات العملاقة، والتشريعات الجديدة، واتفاقيات الشراكة الاقتصادية، ونتائج الشركات المدرجة، فإنها تؤدي وظيفة اقتصادية بالغة الحساسية: تقليل المسافة بين الفرصة ومن يبحث عنها.
ومن هنا فإن الصحفي الذي يفسر قراراً اقتصادياً بلغة واضحة، والمذيع الذي يناقش حركة الأسواق بمهنية، ومنصة الأخبار التي تنقل بيانات الشركات بدقة، وصانع المحتوى الذي يشرح فرصة استثمارية دون مبالغة؛ جميعهم يشاركون، كل بطريقته، في بناء البيئة المعرفية التي يتحرك داخلها الاقتصاد.
حين تصبح الصورة قوة اقتصادية
والسمعة الجيدة تخفض حواجز الدخول، وتجذب المواهب والاستثمارات والسائحين، وتفتح أبواباً جديدة أمام المنتجات والخدمات.
والإعلام الإماراتي، بلغاته ومنصاته المختلفة، أسهم في تقديم دولة لا تكتفي بتصدير النفط أو السلع والخدمات، وإنما تصدّر أيضاً صورة عن الاستقرار والطموح والتسامح والابتكار والقدرة على الإنجاز.
ويمكن رؤية جانب من القيمة الاقتصادية لهذه الصورة في السياحة؛ فقد بلغت مساهمة السفر والسياحة في الاقتصاد الإماراتي خلال 2024 نحو 257.3 مليار درهم، بما يعادل 13 % من الاقتصاد الوطني، فيما تجاوز إنفاق الزوار الدوليين 217 مليار درهم، لتصبح الإمارات ضمن أكبر سبع وجهات عالمية من حيث الإنفاق السياحي الدولي.
لكن من الصعب أيضاً تخيل صناعة سياحية بهذا الحجم من دون ماكينة إعلامية وتسويقية تنقل صورة الوجهة إلى مليارات البشر.
قطاع اقتصادي
والأهم أن الإعلام الإماراتي لم يعد مجرد أداة لدعم القطاعات الاقتصادية الأخرى، بل أصبح هو نفسه قطاعاً اقتصادياً يخلق الشركات والوظائف والاستثمارات والصادرات.
كما بلغت صادرات القطاع الإعلامي نحو 25 مليون دولار في 2025.
وهذه الأرقام تغير الطريقة التي ينبغي أن ننظر بها إلى الإعلام. فالاستوديو شركة، والمنصة الرقمية مشروع، والمحتوى منتج، والإعلان صناعة، والألعاب الإلكترونية سوق، والإنتاج السينمائي استثمار، والمؤثر المحترف قد يصبح مؤسسة اقتصادية، والملكية الفكرية أصل قابل للتصدير.
اقتصاد المستقبل يحتاج لإعلام المستقبل
وهذه قطاعات لا يكفي أن تُبنى فيها المصانع أو تؤسس الشركات؛ بل تحتاج إلى مجتمع يفهمها، ومستثمر يعرف فرصها، وشباب يستطيع رؤية مستقبله داخلها. وهنا يتحول الإعلام من ناقل للخبر إلى صانع للوعي الاقتصادي.
وقد انعكس إدراك هذه الحاجة في إطلاق مبادرات متخصصة مثل «برنامج صناع المحتوى الاقتصادي»، المدعوم من وزارة الاقتصاد والسياحة، بهدف تطوير قدرات جيل جديد من الإعلاميين وصناع المحتوى على تناول الاتجاهات والتطورات الاقتصادية بصورة أكثر تخصصاً وفاعلية.
وتزداد أهمية هذا التخصص مع تضخم صناعة الإعلام نفسها؛ فتقديرات «تقرير آفاق الإعلام العربي – رؤية مستقبلية» تشير إلى نمو سوق الإعلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من نحو 17 مليار دولار في 2024 إلى 20.6 مليار دولار بحلول 2028، بما يفتح مساحات إضافية أمام الإمارات لتعزيز موقعها مركزاً إقليمياً للمحتوى والإعلام والاقتصاد الإبداعي.
عندما تأتي الأزمات تصبح الثقة ثروة
فالإشاعة تستطيع أن تربك سوقاً، والمعلومة المضللة يمكن أن تضرب سمعة شركة، والخبر غير الدقيق قد يثير مخاوف المستثمرين والمستهلكين.
وفي المقابل، يستطيع الإعلام المسؤول أن يضع الحقائق أمام الجمهور، ويفسر القرارات، ويواجه الشائعات، ويمنح الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج.
مسؤولية مزدوجة
فدعم الاقتصاد لا يعني تزيين الأرقام ولا إخفاء التحديات؛ لأن المستثمر الذكي لا يبحث عن الصورة المثالية، وإنما عن المعلومة التي يستطيع الوثوق بها.
ولذلك فإن أعظم خدمة يمكن أن يقدمها الإعلام للاقتصاد الوطني هي المهنية: خبر صحيح، ورقم موثق، وتحليل متوازن، وفصل واضح بين المعلومة والرأي والإعلان.
فالاقتصادات الكبرى لا تحتاج إلى إعلام يصفق لها، بل إلى إعلام يجعلها أكثر وضوحاً وشفافية وثقة.
خلف كل رقم حكاية إنسانية
فخلف رقم الناتج المحلي هناك موظف يستيقظ كل صباح ليبني مستقبله. وخلف تدفقات الاستثمار هناك شركة صغيرة تحلم بأن تصبح عالمية.
وخلف أرقام السياحة هناك عائلة تدير مطعماً، وشاب يعمل في فندق، ومرشد سياحي، وسائق، وموظف في مطار.
وخلف كل مشروع ضخم آلاف القصص الصغيرة التي لا تظهر في البيانات الرسمية.
والإعلام هو الذي يجد هذه القصص. هو الذي يخبرنا بأن الاقتصاد ليس أبراجاً وأرقاماً وشاشات تداول فقط، وإنما أحلام بشر.
لقد وصل الاقتصاد الإماراتي في 2025 إلى نحو 1.9 تريليون درهم، وأصبحت الأنشطة غير النفطية تمثل الجزء الأكبر منه.
وهذه الرحلة لم تكن مجرد انتقال من النفط إلى قطاعات أخرى؛ إنها انتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد المعرفة والابتكار والإنسان. وفي هذه الرحلة، ستزداد قيمة الإعلام لا العكس.
لأن المنافسة المقبلة بين الدول لن تكون فقط على الموانئ والمصانع والاستثمارات، بل أيضاً على الانتباه والثقة والسمعة والمواهب والأفكار. وهذه كلها ساحات يتحرك فيها الإعلام.
لذلك، حين يكتب صحفي إماراتي خبراً اقتصادياً دقيقاً، أو تنتج مؤسسة إعلامية قصة تصل إلى مستثمر على الجانب الآخر من العالم، أو يصنع شاب إماراتي محتوى يشرح بلغة العصر كيف تتغير بلاده، فإن ما يحدث ليس مجرد «عمل إعلامي».
لقد شيّدت الإمارات طرقاً تصل مدنها، ومطارات تصلها بالعالم، وموانئ تصل أسواقها بالقارات.
أما الإعلام، فقد كانت له مهمة من نوع آخر: أن يبني الجسر الذي تعبر عليه قصة الإمارات إلى العالم.
وقد لا يظهر ذلك الجسر دائماً في حسابات الناتج المحلي، ولا يمكن قياس كل أثر له بالدرهم والدولار، لكنه يظهر في مستثمر اختار الإمارات، وسائح قرر زيارتها، وموهبة جاءت للعمل فيها، ورائد أعمال آمن بفرصة على أرضها.

