الإعلام شريك مهم في صناعة اقتصاد الإمارات

الكلمة تحكي قصة تحوّل هائلة لانتقال الدولة من اقتصاد ارتبط بالنفط إلى منظومة متنوعة

ترسيخ مكانة الإمارات عالمياً واحة للاستقرار والطموح والتسامح والابتكار والإنجازات

الإعلام الإماراتي بات قطاعاً اقتصادياً يخلق الشركات والوظائف والاستثمارات والصادرات

في مسيرة أي أمة، نجد صورة كبيرة ومتداخلة في الوقت ذاته.. فهناك من يبني الجسور، وهناك من يشيّد المصانع، وهناك من يفتح أبواب الأسواق.. لكن أمام كل ذلك، هناك من يمنح كل هذه الإنجازات صوتاً وصورة وحكاية تصل إلى العالم.

وفي دولة مثل الإمارات، نجح اقتصادها في الوصول إلى قمة، فيما تصبح الكلمة شريكاً مهماً وصوتاً عذباً في صناعة الاقتصاد ورسم المستقبل.

فحين نقرأ اليوم أن الناتج المحلي الإجمالي للإمارات نما بنسبة 6.2 % خلال عام 2025 ليصل إلى نحو 1.9 تريليون درهم، وأن الناتج غير النفطي نما بنسبة 6.8 % ليبلغ قرابة 1.5 تريليون درهم، فنحن أمام أكثر من مجرد أرقام اقتصادية.

نحن أمام قصة تحول هائلة، انتقلت فيها الإمارات من اقتصاد ارتبط بالنفط إلى منظومة متنوعة تتقدم فيها التجارة والتمويل والتصنيع والبناء والتكنولوجيا والسياحة والاقتصاد الجديد.

لكن الأرقام، مهما كانت كبيرة، تظل صامتة ما لم تجد من يمنحها معنى. وهنا تحديداً يبدأ دور الإعلام الإماراتي. فالإعلام الاقتصادي المحترف لا يصنع الناتج المحلي الإجمالي مباشرة، لكنه يصنع شيئاً لا يقل أهمية عنه: الثقة؛ والثقة هي العملة غير المكتوبة لأي اقتصاد حديث.

المستثمر يحتاج إلى المعلومة قبل أن يضع أمواله، والسائح يحتاج إلى الصورة قبل أن يحجز تذكرته، ورائد الأعمال يحتاج إلى فهم التشريعات والفرص قبل أن يؤسس شركته، والمستهلك يحتاج إلى المعرفة قبل اتخاذ قراره.

وهكذا تتحول الكلمة الدقيقة إلى جزء من بيئة الاستثمار، ويتحول التقرير الاقتصادي إلى نافذة على الفرص، وتصبح الصورة التي تصل إلى الخارج أحد الأصول غير الملموسة للدولة.

رفيق على مدى عقود

فعلى مدى عقود، رافق الإعلام الإماراتي التحول الاقتصادي للدولة: من الموانئ والمطارات إلى المناطق الحرة، ومن العقارات والسياحة إلى أسواق المال والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والفضاء.

ولم يكن دوره أن يقول للعالم إن الإمارات تتغير فحسب، وإنما أن يجعل هذا التغيير مرئياً ومفهوماً.

وحين تنقل وسائل الإعلام أخبار تأسيس الشركات، وصفقات الاستحواذ، والمشروعات العملاقة، والتشريعات الجديدة، واتفاقيات الشراكة الاقتصادية، ونتائج الشركات المدرجة، فإنها تؤدي وظيفة اقتصادية بالغة الحساسية: تقليل المسافة بين الفرصة ومن يبحث عنها.

إن رأس المال شديد الحساسية للمعلومة. وفي عالم تستطيع فيه الأموال الانتقال بين القارات بضغطة زر، تصبح سرعة وصول المعلومات ووضوحها وموثوقيتها جزءاً من تنافسية الأسواق.

ومن هنا فإن الصحفي الذي يفسر قراراً اقتصادياً بلغة واضحة، والمذيع الذي يناقش حركة الأسواق بمهنية، ومنصة الأخبار التي تنقل بيانات الشركات بدقة، وصانع المحتوى الذي يشرح فرصة استثمارية دون مبالغة؛ جميعهم يشاركون، كل بطريقته، في بناء البيئة المعرفية التي يتحرك داخلها الاقتصاد.

حين تصبح الصورة قوة اقتصادية

هناك أيضاً أثر يصعب وضعه كاملاً داخل جدول إحصائي: صورة الدولة في العالم. فالدول، مثل الشركات الكبرى، تمتلك سمعة.

والسمعة الجيدة تخفض حواجز الدخول، وتجذب المواهب والاستثمارات والسائحين، وتفتح أبواباً جديدة أمام المنتجات والخدمات.

والإعلام الإماراتي، بلغاته ومنصاته المختلفة، أسهم في تقديم دولة لا تكتفي بتصدير النفط أو السلع والخدمات، وإنما تصدّر أيضاً صورة عن الاستقرار والطموح والتسامح والابتكار والقدرة على الإنجاز.

ويمكن رؤية جانب من القيمة الاقتصادية لهذه الصورة في السياحة؛ فقد بلغت مساهمة السفر والسياحة في الاقتصاد الإماراتي خلال 2024 نحو 257.3 مليار درهم، بما يعادل 13 % من الاقتصاد الوطني، فيما تجاوز إنفاق الزوار الدوليين 217 مليار درهم، لتصبح الإمارات ضمن أكبر سبع وجهات عالمية من حيث الإنفاق السياحي الدولي.

ولا يمكن بالطبع نسب هذه النتائج إلى الإعلام وحده؛ فهي ثمرة بنية تحتية وسياسات واستثمارات وشركات طيران وفنادق وفعاليات وخدمات عالمية المستوى.

لكن من الصعب أيضاً تخيل صناعة سياحية بهذا الحجم من دون ماكينة إعلامية وتسويقية تنقل صورة الوجهة إلى مليارات البشر.

قطاع اقتصادي

فالفرصة التي لا يسمع بها المستثمر، قد لا تصل إليها الأموال. والإنجاز الذي لا تُروى قصته، قد يبقى حبيس حدوده الجغرافية.

والأهم أن الإعلام الإماراتي لم يعد مجرد أداة لدعم القطاعات الاقتصادية الأخرى، بل أصبح هو نفسه قطاعاً اقتصادياً يخلق الشركات والوظائف والاستثمارات والصادرات.

وتقدم دبي مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أظهرت مؤشرات أداء القطاع الإعلامي في الإمارة أن مساهمته في الناتج المحلي ارتفعت من 0.49 % عام 2022 إلى 1.42 % في 2025، بينما وصل عدد الشركات الإعلامية الخاصة إلى نحو 25 ألف شركة، وبلغ عدد العاملين في القطاع، بمن فيهم الإعلاميون والمبدعون، نحو 120 ألف شخص.

كما بلغت صادرات القطاع الإعلامي نحو 25 مليون دولار في 2025.

وهذه الأرقام تغير الطريقة التي ينبغي أن ننظر بها إلى الإعلام. فالاستوديو شركة، والمنصة الرقمية مشروع، والمحتوى منتج، والإعلان صناعة، والألعاب الإلكترونية سوق، والإنتاج السينمائي استثمار، والمؤثر المحترف قد يصبح مؤسسة اقتصادية، والملكية الفكرية أصل قابل للتصدير.

ولهذا جاء التوجه في دبي لرفع مساهمة قطاع الإعلام في الناتج المحلي للإمارة من 1.4 إلى 3 % بحلول 2033، في إشارة واضحة إلى أن الإعلام لم يعد يُعامل فقط بوصفه نشاطاً ثقافياً واتصالياً، وإنما قطاع يحمل فرص نمو واستثمار حقيقية.

وحتى السينما تقدم مثالاً ملموساً؛ إذ تجاوزت إيرادات شباك التذاكر في الإمارات 734 مليون درهم خلال عام 2025، مع بيع أكثر من 14.8 مليون تذكرة، في مؤشر على اتساع أحد روافد الاقتصاد الإعلامي والإبداعي.

اقتصاد المستقبل يحتاج لإعلام المستقبل

إن الاقتصاد الإماراتي يتجه بصورة متسارعة نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة والصناعات الإبداعية.

وهذه قطاعات لا يكفي أن تُبنى فيها المصانع أو تؤسس الشركات؛ بل تحتاج إلى مجتمع يفهمها، ومستثمر يعرف فرصها، وشباب يستطيع رؤية مستقبله داخلها. وهنا يتحول الإعلام من ناقل للخبر إلى صانع للوعي الاقتصادي.

وقد انعكس إدراك هذه الحاجة في إطلاق مبادرات متخصصة مثل «برنامج صناع المحتوى الاقتصادي»، المدعوم من وزارة الاقتصاد والسياحة، بهدف تطوير قدرات جيل جديد من الإعلاميين وصناع المحتوى على تناول الاتجاهات والتطورات الاقتصادية بصورة أكثر تخصصاً وفاعلية.

وتزداد أهمية هذا التخصص مع تضخم صناعة الإعلام نفسها؛ فتقديرات «تقرير آفاق الإعلام العربي – رؤية مستقبلية» تشير إلى نمو سوق الإعلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من نحو 17 مليار دولار في 2024 إلى 20.6 مليار دولار بحلول 2028، بما يفتح مساحات إضافية أمام الإمارات لتعزيز موقعها مركزاً إقليمياً للمحتوى والإعلام والاقتصاد الإبداعي.

عندما تأتي الأزمات تصبح الثقة ثروة

لكن قيمة الإعلام لا تظهر في سنوات الازدهار وحدها. في الأزمات تصبح المعلومة أحياناً أثمن من المال.

فالإشاعة تستطيع أن تربك سوقاً، والمعلومة المضللة يمكن أن تضرب سمعة شركة، والخبر غير الدقيق قد يثير مخاوف المستثمرين والمستهلكين.

وفي المقابل، يستطيع الإعلام المسؤول أن يضع الحقائق أمام الجمهور، ويفسر القرارات، ويواجه الشائعات، ويمنح الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج.

مسؤولية مزدوجة

وهنا تقع على الإعلام الإماراتي مسؤولية وطنية واقتصادية في آن واحد.

فدعم الاقتصاد لا يعني تزيين الأرقام ولا إخفاء التحديات؛ لأن المستثمر الذكي لا يبحث عن الصورة المثالية، وإنما عن المعلومة التي يستطيع الوثوق بها.

ولذلك فإن أعظم خدمة يمكن أن يقدمها الإعلام للاقتصاد الوطني هي المهنية: خبر صحيح، ورقم موثق، وتحليل متوازن، وفصل واضح بين المعلومة والرأي والإعلان.

فالاقتصادات الكبرى لا تحتاج إلى إعلام يصفق لها، بل إلى إعلام يجعلها أكثر وضوحاً وشفافية وثقة.

خلف كل رقم حكاية إنسانية

ربما تكون هذه هي أجمل مهمة للإعلام الإماراتي «خلف كل رقم حكاية إنسانية».

فخلف رقم الناتج المحلي هناك موظف يستيقظ كل صباح ليبني مستقبله. وخلف تدفقات الاستثمار هناك شركة صغيرة تحلم بأن تصبح عالمية.

وخلف أرقام السياحة هناك عائلة تدير مطعماً، وشاب يعمل في فندق، ومرشد سياحي، وسائق، وموظف في مطار.

وخلف كل مشروع ضخم آلاف القصص الصغيرة التي لا تظهر في البيانات الرسمية.

والإعلام هو الذي يجد هذه القصص. هو الذي يخبرنا بأن الاقتصاد ليس أبراجاً وأرقاماً وشاشات تداول فقط، وإنما أحلام بشر.

لقد وصل الاقتصاد الإماراتي في 2025 إلى نحو 1.9 تريليون درهم، وأصبحت الأنشطة غير النفطية تمثل الجزء الأكبر منه.

وهذه الرحلة لم تكن مجرد انتقال من النفط إلى قطاعات أخرى؛ إنها انتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد المعرفة والابتكار والإنسان. وفي هذه الرحلة، ستزداد قيمة الإعلام لا العكس.

لأن المنافسة المقبلة بين الدول لن تكون فقط على الموانئ والمصانع والاستثمارات، بل أيضاً على الانتباه والثقة والسمعة والمواهب والأفكار. وهذه كلها ساحات يتحرك فيها الإعلام.

لذلك، حين يكتب صحفي إماراتي خبراً اقتصادياً دقيقاً، أو تنتج مؤسسة إعلامية قصة تصل إلى مستثمر على الجانب الآخر من العالم، أو يصنع شاب إماراتي محتوى يشرح بلغة العصر كيف تتغير بلاده، فإن ما يحدث ليس مجرد «عمل إعلامي».

لقد شيّدت الإمارات طرقاً تصل مدنها، ومطارات تصلها بالعالم، وموانئ تصل أسواقها بالقارات.

أما الإعلام، فقد كانت له مهمة من نوع آخر: أن يبني الجسر الذي تعبر عليه قصة الإمارات إلى العالم.

وقد لا يظهر ذلك الجسر دائماً في حسابات الناتج المحلي، ولا يمكن قياس كل أثر له بالدرهم والدولار، لكنه يظهر في مستثمر اختار الإمارات، وسائح قرر زيارتها، وموهبة جاءت للعمل فيها، ورائد أعمال آمن بفرصة على أرضها.