«فايننشال تايمز»: أوروبا تدرس «وصفة دبي» في مواجهة الحر

دبي تتيح ممارسة رياضة الجري داخل مراكز التسوق المكيفة
دبي تتيح ممارسة رياضة الجري داخل مراكز التسوق المكيفة

مع تصاعد موجات الحر القياسية في أوروبا وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، تتجه مدن أوروبية إلى دراسة تجربة دبي في تطوير حلول التبريد الحضري، بعدما نجحت الإمارة في توظيف البنية التحتية والتقنيات الحديثة لتوفير بيئات أكثر ملاءمة للحركة والأنشطة خلال أشهر الصيف.

وتقدم دبي نموذجاً متقدماً في التعامل مع الحرارة، من خلال تطوير ممرات ومرافق مكيفة تساعد على التنقل سيراً، إلى جانب حلول عمرانية تجمع بين التظليل والتبريد والتصميم الحضري.

كما أطلقت الإمارة في عام 2025 فعالية «Mallathon»، التي تتيح للعدائين ممارسة الجري داخل مراكز التسوق المكيفة، في ظل درجات حرارة خارجية تقترب من 40 درجة مئوية.

وبحسب تقرير مطول لـ«فايننشال تايمز»، دفعت هذه التجارب، إلى جانب حلول أخرى طورتها دول الخليج، مدناً أوروبية إلى إعادة النظر في أساليب التكيف مع تغير المناخ، خصوصاً مع تزايد الطلب على تبريد المباني والمرافق العامة والمساحات المفتوحة.

وقال أوسكار بروس، المحاضر في علم المناخ الحضري والصحة في جامعة كوليدج لندن، إن تجارب مدن الشرق الأوسط ومنطقة البحر المتوسط ينبغي أن تحظى باهتمام أوروبا عند تصميم مشاريع عمرانية جديدة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الحاجة إلى حلول عملية للتكيف مع تغير المناخ.

ولا تقتصر تجربة دبي على المرافق المكيفة، بل تشمل توسيع نطاق المساحات المظللة وتطوير بيئات حضرية تساعد على خفض الإحساس بالحرارة، بما يعزز قدرة السكان والزوار على الحركة وممارسة الأنشطة طوال العام.

وفي أبوظبي، افتتح هذا العام ممشى مغطى ومكيف بطول 660 متراً في حديقة الخالدية، فيما تتضمن مشاريع أخرى مساحات خضراء وأشجاراً محلية مقاومة للجفاف إلى جانب حلول لتلطيف درجات الحرارة.

تبريد خارجي بتحديات كبيرة

ورغم جاذبية هذه الحلول، يرى خبراء أن تبريد المساحات المفتوحة على نطاق واسع يواجه تحديات تتعلق باستهلاك الطاقة والمياه، فضلاً عن الآثار البيئية المحتملة.

وقال ماثايوس سانتاموريس، الأستاذ في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، إن تكييف المساحات الخارجية بصورة واسعة ليس حلاً مستداماً، بسبب الكميات الكبيرة من الطاقة المطلوبة، مشيراً إلى أن تقنيات التبريد بالتبخير تكون أكثر فاعلية في المناطق الجافة، ما يحد من إمكانية تطبيقها في بعض المناطق الأوروبية.

وفي المقابل، تتجه تقنيات أخرى إلى خفض درجات الحرارة من دون الاعتماد المباشر على تكييف الهواء التقليدي. ومن بينها مواد وطلاءات عاكسة للإشعاع الشمسي تعرف باسم «المواد فائقة التبريد»، يمكن استخدامها على أسطح المباني والطرق، بما يساعد على خفض درجات حرارة الأسطح والمدن.

وأوضح سانتاموريس أن هذه المواد يمكن في ظروف مناخية معينة أن تخفض درجة حرارة الأسطح الحضرية بما يصل إلى 15 درجة مئوية، ما يجعلها من الحلول التي يمكن أن تجد تطبيقات في المدن الأوروبية.

التبريد المركزي.. خبرة إماراتية قابلة للتوسع

وعلى مستوى المباني، تمثل أنظمة التبريد المركزي إحدى أبرز التجارب التي طورتها الإمارات ودول الخليج خلال السنوات الماضية. وتعتمد هذه الأنظمة على ضخ المياه المبردة عبر شبكات مركزية لتوفير التبريد لعدد كبير من المباني، مستفيدة من وفورات الحجم مقارنة بأنظمة التكييف المنفردة.

وتوسع استخدام التبريد المركزي في دبي والإمارات بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع نمو المدن والمشروعات العقارية، وأصبح قطاعاً استثمارياً مهماً بفضل العقود طويلة الأجل والإيرادات المتوقعة.

ويرى مراقبون أن تجربة دبي في هذا المجال قد توفر دروساً للمدن الأوروبية التي تواجه ارتفاعاً متزايداً في الطلب على التبريد، وإن كان تطبيقها على نطاق واسع في أوروبا قد يواجه تحديات اقتصادية، خصوصاً في المدن التي لا تحتاج إلى التبريد سوى لعدد محدود من أيام السنة.

التكنولوجيا في مواجهة الحرارة

وتتجه شركات التكنولوجيا المناخية كذلك إلى تطوير حلول لتبريد الهواء في المساحات المفتوحة باستخدام المياه بدلاً من أنظمة التبريد التقليدية.

ومن بين هذه التقنيات أنظمة تعتمد على إطلاق قطرات مياه دقيقة تتبخر في الهواء، ما يؤدي إلى خفض درجات الحرارة المحيطة.

وتختبر إحدى هذه التقنيات في صحراء أبوظبي بهدف خفض درجات الحرارة إلى مستويات أكثر ملاءمة للزراعة، فيما يمكن أن تصل قدرة النظام على خفض حرارة الهواء في بعض الظروف إلى 9 درجات مئوية، وتتراوح عادة بين 3 و5 درجات.

وتشير هذه التجارب إلى أن سباق التكيف مع الحرارة لم يعد يقتصر على زيادة أجهزة التكييف، بل بات يشمل إعادة تصميم المدن والمباني والطرق والأسطح، إلى جانب تطوير مواد جديدة وتقنيات تعتمد على التبريد بالتبخير وانعكاس الإشعاع الشمسي.

دبي نموذج لمدن المستقبل الحارة

وتكتسب تجربة دبي أهمية متزايدة مع سعي المدن حول العالم إلى تعزيز قطاعات السياحة والعقارات والخدمات، إذ أصبح توفير بيئة مريحة للسكان والزوار طوال العام عاملاً اقتصادياً مهماً.

ومع تصاعد درجات الحرارة في أوروبا، تبدو تجربة دبي في تطوير الممرات والمرافق المكيفة، إلى جانب حلول التبريد المركزي والتصميم الحضري الملائم للحرارة، من بين النماذج الخليجية التي تحظى باهتمام متزايد.

غير أن نجاح نقل هذه التقنيات إلى أوروبا سيعتمد على تحقيق معادلة دقيقة بين خفض الحرارة وكفاءة استهلاك الطاقة والمياه، بما يتوافق مع أهداف خفض الانبعاثات والتحول نحو مدن أكثر استدامة.

مراكز التسوق في دبي تتحول إلى مسارات للجري

دبي تطور ممرات مكيفة لمواجهة حرارة الصيف

التصميم الحضري في دبي يواجه تحديات الحرارة

أبوظبي تطور ممشى مكيفاً لمواجهة حرارة الصيف بطول 660 متراً