في دفتر أحلام كل مواطن، هناك صفحة واحدة تتكرر جيلاً بعد جيل وهي: «قطعة أرض منحتها له الدولة، وقرض سكني وفرته ليبني مستقبل أسرته، ومخطط منزل يحلم أن يراه واقعاً».
ليس المنزل في وجدان المواطن مجرد جدران وإسمنت، بل هو «بيت العمر»، وعد يقدمه لأبنائه، وسقف يأمل أن يجمع أسرته تحت ظله، وثمرة رؤية وطن جعل توفير السكن الكريم إحدى أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي، فأتاح للمواطن الأرض، ودعمه بقرض البناء، ومهّد له الطريق ليؤسس بيتاً يبقى شاهداً على سنوات من الكفاح والأمل.
لكن ما إن تنتهي رحلة الحصول على الأرض والقرض، حتى تبدأ رحلة أكثر تعقيداً داخل سوق البناء. فبين المالك والمقاول والاستشاري، يجد المواطن نفسه أمام تفاصيل هندسية معقدة، وعقود فنية، وجداول كميات، ومصطلحات لا يمتلك الخبرة الكافية لتفسيرها، بينما يمضي في مشروع قد يكون الأكبر والأهم في حياته، مستنداً إلى الثقة في أن جميع الأطراف ستلتزم بحقوقه، وبالعقد الذي وقعه.
غير أن هذه الثقة تعرضت للاهتزاز لدى عدد من ملاك الفلل السكنية خلال الأشهر الماضية، بعدما تلقوا مطالبات مالية إضافية من مقاولين طالبوا بزيادات على قيمة العقود، مبررين ذلك بارتفاع أسعار مواد البناء. وبين من قبل بالدفع خوفاً من توقف مشروعه، ومن رفض فدخل في نزاعات وتأخير للتنفيذ، وجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام أعباء مالية لم تكن ضمن حساباتهم عند بدء رحلة بناء بيت العمر.
فتحت «البيان» ملف «بيت العمر» بعد استطلاع آراء أطراف الأزمة وهم: المالك والمقاول والمورد، والاستشاري، وكذلك سؤال الجهات المعنية مثل بلدية دبي، ومركز تسوية المنازعات العقارية في دبي، إلى جانب أخذ رأي قانونيين حول هذا الملف.
كما استند الملف إلى دراسة أجرتها منصة «بيلد إن»، والتي تعد أول ممثل رقمي للمالك، من خلال مراجعة 51 مشروعاً شهدت مطالبات بزيادة الأسعار، ومقارنة تلك المطالبات بالكلفة الفعلية للمواد، وفق مراحل التنفيذ.
وتوصلت الدراسة إلى أن أكثر من 90 % من المطالبات التي خضعت للمراجعة تجاوزت الزيادة المستحقة، ففي حين كانت بعض الفروقات محدودة، بلغت أخرى نسباً تجاوزت 500 % في بعض البنود، ما يثير تساؤلات حول آليات احتساب الزيادات، ودور الاستشاري في مراجعتها، ومدى كفاية العقود الحالية في حماية حقوق جميع الأطراف.
ولا يستهدف هذا التحقيق مقاولاً بعينه أو شركة محددة، كما أنه لا ينكر وجود ارتفاعات حقيقية شهدها سوق مواد البناء، بل يميز بين الزيادة التي فرضتها ظروف السوق، والزيادة التي لا تستند إلى كلفة فعلية.
فالغاية ليست توجيه الاتهام إلى قطاع يشكل شريكاً أساسياً في مسيرة التنمية العمرانية، وإنما فتح ملف يمس شريحة واسعة من المواطنين، والبحث في الثغرات التي سمحت بتحول بعض مطالبات زيادة الأسعار إلى عبء إضافي على من يبني بيت العمر، انطلاقاً من رؤية الإمارات القائمة على ترسيخ العدالة والشفافية، وصون حقوق جميع المتعاملين، وضمان أن يبقى الدعم الذي تقدمه الدولة للمواطن يحقق غايته في توفير السكن الكريم، لا أن تستنزفه ممارسات لا تعكس روح السوق العادلة.
أرقام لا تكذب
البداية كانت من خلال 6000 رسالة وصلت إلى منصة «بيلد إن» خلال خمسة أشهر ولم تكن مجرد استفسارات عن أسعار الحديد أو الإسمنت أو الخرسانة، بل كانت صرخات متكررة من مواطنين وجدوا أنفسهم أمام مطالبات مالية إضافية، بعد أشهر من توقيع عقود بناء منازلهم. بعضهم كان في مرحلة الأساسات، وآخرون وصلوا إلى التشطيبات.
لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً كان سؤالاً واحداً: هل ما يطالب به المقاول يعكس فعلاً الزيادة التي طرأت على أسعار المواد، أم أن الأزمة تحولت لدى البعض إلى فرصة لإعادة تسعير المشروع؟
هذا السؤال دفع «بيلد إن» إلى الانتقال من استقبال الشكاوى إلى مراجعة الأرقام. فجمعت ملفات 51 مشروعاً سكنياً، وأعادت احتساب مطالبات المقاولين بنداً بنداً، مستندة إلى فواتير الشراء الموثقة، وتاريخ تنفيذ الأعمال، والكميات المنفذة فعلياً عند حدوث الزيادة.
وخلف كل رقم في هذه الدراسة يقف بيت حقيقي، وأسرة حقيقية، ومقاول حقيقي، لذلك آثرت «البيان» عرض النتائج، باعتبارها دراسات حالة، مع حجب أسماء الملاك والمقاولين، لأن الهدف ليس توجيه الاتهام إلى طرف بعينه، وإنما كشف نمط متكرر يثير تساؤلات حول آلية احتساب مطالبات زيادة الأسعار في مشاريع المساكن.
10 بنود إنشائية
لم تنظر الدراسة إلى المشروع باعتباره رقماً واحداً، بل فككته إلى عدة بنود إنشائية رئيسة، تشمل الخرسانات، والطابوق، والعازل، والتشطيبات، والنجارة، والألمنيوم، والكهرباء، والتكييف، والأعمال الصحية، والأعمال الخارجية.
ولكل بند، جرى احتساب ثلاثة مؤشرات، الزيادة الفعلية في الكلفة وفق فواتير الشراء، وقيمة المطالبة التي تقدم بها المقاول، ثم الفارق بين الرقمين. وعند تجميع النتائج، اتضح أن المبالغات لم تكن محصورة في مادة بعينها، وإنما امتدت إلى معظم البنود الرئيسة للمشروع، وإن تفاوتت قيمتها من بند إلى آخر.
وتكشف البيانات أن الخرسانة كانت أكثر البنود تسجيلاً للفجوات المالية، بعدما بلغت الزيادة الفعلية فيها نحو 1.75 مليون درهم، في حين تجاوزت مطالبات المقاولين 2.39 مليون درهم، بفارق يزيد على 652 ألف درهم.
وجاءت التشطيبات في المرتبة الثانية، إذ ارتفعت كلفتها الفعلية بنحو 1.34 مليون درهم، بينما تجاوزت المطالبات 1.91 مليون درهم، بفجوة قاربت 577 ألف درهم.
أما الطابوق فسجل فجوة تجاوزت 331 ألف درهم، تلاه الكهرباء بأكثر من 320 ألف درهم، ثم الأعمال الصحية بفارق ناهز 194 ألف درهم، فيما اقتربت الفجوات في التكييف والألمنيوم والأعمال الخارجية من 140 ألف درهم لكل بند.
وتعني هذه الأرقام أن المبالغات لم تكن مرتبطة بمادة واحدة شهدت نقصاً في المعروض، بل طالت معظم المكونات الأساسية التي يقوم عليها بناء المسكن.
على مستوى المشاريع، كشفت الدراسة أن أكبر الفجوات المالية لم تظهر بالضرورة في أعلى نسب المبالغة، وإنما في أكبر المشاريع قيمة. ففي فيلتين كبيرتي المساحة، بلغت الزيادة الفعلية الموثقة 1.61 مليون درهم، و1.07 مليون درهم على التوالي.
بينما ارتفعت مطالبات المقاولين إلى 1.85 مليون درهم و 1.31 مليون درهم، بفارق تجاوز 237 ألف درهم في الحالة الأولى، و235 ألف درهم في الثانية.
وبالنسبة للمواطن، قد تبدو نسبة تتراوح بين 15 و22 %، محدودة على الورق، لكنها تتحول في مشروع بهذا الحجم إلى عبء مالي يتجاوز ربع مليون درهم، وهو مبلغ قد يغير خطة الأسرة المالية بالكامل، أو يفرض عليها اقتراضاً إضافياً لم يكن في الحسبان.
غير أن أكثر الملفات إثارة، بحسب المنصة، لم يكن ضمن عينة المشاريع الواحد والخمسين، بل في مشروع سكني تبلغ قيمته نحو 17 مليون درهم. ففي هذه الحالة، طالب المقاول بأكثر من 3 ملايين درهم، بدعوى ارتفاع أسعار مواد البناء.
لكن المراجعة الهندسية والمالية التي أجرتها المنصة، انتهت إلى نتيجة معاكسة تماماً، فالفيلا كانت منجزة بنسبة 58 %، شاملة أعمال الخرسانة والطابوق بشكل كامل، ليتبين أن المقاول لم يكن دائناً بهذا المبلغ، بل أصبح مديناً للمالك بما يزيد على مليون درهم، بعد إعادة احتساب الأعمال المنفذة والدفعات المستلمة والكلفة الفعلية للمشروع.
وتصف المنصة هذه القضية بأنها نموذج يوضح الفارق بين المطالبة الأولية، وما قد تكشفه المراجعة المستقلة، عندما تستند إلى الوثائق والفواتير، بدلاً من التقديرات العامة.
فجوات مالية
في المقابل، تكشف الدراسة أن صغر قيمة المشروع لم يكن يعني بالضرورة أن المطالبة أكثر دقة أو عدالة. فقد سجلت بعض المشاريع الصغيرة فجوات مالية تراوحت بين 5.5 آلاف و12 ألف درهم، إلا أن نسب المبالغة فيها تراوحت بين 23 و%42، ما يعني أن المقاول طالب بما يقارب من ربع إلى نصف قيمة الزيادة الحقيقية فوق استحقاقه.
وبعبارة أخرى، فإن انخفاض الرقم النهائي لم يكن انعكاساً لنزاهة أكبر في التسعير، وإنما نتيجة لانخفاض قيمة المشروع نفسه، بينما بقيت طريقة احتساب المطالبة على النهج ذاته.
وعند الانتقال من مقارنة المشاريع إلى مقارنة نسب المبالغة، تتغير الصورة مرة أخرى. فقد وثقت الدراسة مشروعاً بلغت فيه الزيادة الفعلية الموثقة نحو 87 ألف درهم، بينما طالب المقاول بما يقارب 187 ألف درهم، أي بأكثر من ضعف ما يستحقه فعلياً، بنسبة تجاوزت 114 %. وفي مشروع آخر، سجلت المطالبة نسبة مبالغة قاربت 113 %، وهو ما يعني أن المالك لم يكن مطالباً فقط بتحمل الزيادة الحقيقية في أسعار المواد، بل بدفع مبلغ إضافي يعادل قيمة تلك الزيادة مرة أخرى تقريباً.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت عندما نزلت الدراسة إلى مستوى البند الواحد داخل المشروع، وهو المستوى الذي غالباً لا يلتفت إليه المالك غير المتخصص. ففي أحد بنود الطابوق، بلغت الزيادة الفعلية الموثقة بفواتير الشراء 9128 درهماً، بينما ارتفعت المطالبة إلى 60494 درهماً، أي بنسبة قاربت 563 %.
وفي بند الأعمال الصحية، بلغت الزيادة الفعلية نحو ألف درهم، لكن المقاول طالب بما يقارب 18 ألف درهم، بنسبة تجاوزت %1700. كما سجلت الدراسة حالات في الأعمال الكهربائية تحولت فيها فروقات لا تتجاوز ألف درهم إلى مطالبات قاربت 15 ألف درهم.
وترى المنصة أن مثل هذه الحالات يصعب تفسيرها بهوامش احترازية أو فروق تقديرية، لأنها تتجاوز بشكل كبير أي اختلافات محاسبية معتادة.
وتشير مراجعة الملفات إلى أن جانباً من هذه الفروقات لم يكن ناتجاً عن ارتفاع الأسعار بحد ذاته، وإنما عن طريقة احتسابها.
ففي عدد من المشاريع، احتسبت الزيادة على كامل البند، رغم أن جزءاً كبيراً من الأعمال كان قد أُنجز قبل موجة الارتفاع. وفي حالات أخرى، احتسبت المطالبات وفق أعلى سعر وصلت إليه المادة في السوق.
بينما أظهرت تواريخ التنفيذ أن جزءاً من الكميات نُفذ عندما كانت الأسعار أقل بكثير. كما رصدت الدراسة مطالبات لم تكن مدعومة بفواتير شراء تثبت السعر والكمية وتاريخ التوريد، وإنما استندت إلى تقديرات عامة، وهو ما وسع مساحة الخلاف بين المالك والمقاول.
مراجعات فنية
وتؤكد المنصة أن المراجعة الفنية كانت كفيلة في عدد من الحالات بإعادة المطالبات إلى حجمها الحقيقي. ففي إحدى القضايا، انخفضت مطالبة تجاوزت 400 ألف درهم إلى 120 ألف درهم، بعد التدقيق في المستندات، بينما تقلصت مطالبة أخرى من 270 ألف درهم إلى 80 ألف درهم، قبل أن يوافق المقاول على الرقم المعدل.
في المقابل، لم ترسم الدراسة صورة سوداء للقطاع بكامله. فقد وثقت عدداً من المشاريع التي جاءت فيها مطالبات المقاولين متوافقة إلى حد كبير مع الزيادة الفعلية، إذ لم تتجاوز الفروقات في بعض بنود الكهرباء والتكييف والألمنيوم نسبة 5 إلى 6 %، وهو هامش يمكن تفسيره باختلافات حسابية بسيطة، أو فروق في توقيت الشراء.
وعند النظر إلى الصورة الكاملة، تكشف الدراسة أن متوسط المبالغة بلغ 47 %، فيما تجاوزت الفجوة المالية التراكمية 2.5 مليون درهم على مستوى المشروعات محل الدراسة وحدها. وربما كانت الملاحظة الأكثر دلالة، أن الدراسة لم توثق مشروعاً واحداً خلت جميع بنوده من أي فروقات، وإن تفاوتت نسبها وقيمها من مشروع إلى آخر.
أطراف الأزمة
تكتسب دراسة أطراف أزمة ارتفاع أسعار مواد البناء أهمية خاصة، لأنها تسهم في فهم الأدوار المتبادلة بين الموردين، وشركات البناء، والمطورين العقاريين، والجهات الرقابية، والمستهلكين.
إضافة إلى تأثير العوامل الخارجية المرتبطة بالأوضاع الإقليمية والدولية. وتنحصر تلك المشكلة تحديداً في ثلاثة أطراف رئيسية هم: الاستشاريون، والمقاولون، والموردون.
أولاً: الاستشاريون — زيادتان لا زيادة واحدة: كشفت «بيلد إن» أن أسعار مواد البناء كانت مستقرة إلى حد كبير لمدة تصل إلى 6 أشهر، والارتفاع الذي حدث بعد ذلك كان طفيفاً وطبيعياً، بحسب حركة السوق، إلا أن ما حدث أواخر العام الماضي كان مغايراً.
حيث شهد السوق موجتي ارتفاع أسعار متتاليتين، وليس موجة واحدة. الموجة الأولى، الممتدة من أواخر العام الماضي إلى بداية هذا العام، كانت نتيجة اختلال طبيعي بحت بين العرض والطلب.
حيث انفتحت في الدولة مشاريع استثمارية وحكومية وخاصة ضخمة في وقت واحد تقريباً، فارتفع الطلب على الحديد والخرسانة والطابوق والإسمنت، وهي مواد تصنع محلياً، إلى درجة لم تستطع المصانع القائمة تلبيتها، فارتفعت الأسعار بشكل حاد.
بعدها بشهر واحد تقريباً، جاءت الموجة الثانية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية، والتي أثرت بشكل مباشر في تكلفة الديزل والشحن، وبالتالي، في أسعار المواد المستوردة من الخارج.
المشكلة أن الموجتين تعاقبتا في فترة زمنية قصيرة جداً، لا تتجاوز ستة أشهر، ما جعل من السهل على كثير من المقاولين دمج السببين في رواية واحدة مبسطة: «الحرب رفعت الأسعار».
وهذه الرواية، وإن كانت تحمل جزءاً من الحقيقة، استخدمت لتغطية الجزء الأكبر من الزيادة الذي لم يكن له علاقة بالتوترات الإقليمية أصلاً. والنتيجة أن المالك، الذي سمع في الأخبار عن توترات إقليمية، أصبح أكثر استعداداً لتصديق أي مطالبة مالية تنسب إليها.
ثانياً: المقاولون.. «لا أحد يريد أن يخسر»: حين يسأل المقاولون عن مبررات مطالباتهم بفروق الأسعار، تدور الإجابة الأكثر شيوعاً حول فكرة بسيطة: لا يستطيع مقاول الاستمرار في تنفيذ مشروع إذا تحولت أرباحه المتوقعة إلى خسارة مؤكدة بسبب ارتفاع مفاجئ في كلفة المواد والوقود والنقل
. فشركات المقاولات تتوقع، في الغالب، عقوداً بقيمة ثابتة لا تتغير منذ بدء المشروع وحتى تسليمه، بينما تظل أسعار الحديد والإسمنت والخرسانة والأخشاب والوقود والشحن قابلة للتغير طوال فترة التنفيذ.
وعندما ترتفع هذه التكاليف، يجد المقاول نفسه أمام معادلة تجارية صعبة؛ إما أن يتفاهم مع المالك على تحمل جزء من الزيادة، أو يستمر وحده في امتصاصها، أو يصل المشروع إلى مرحلة التوقف والنزاع.
وفي بعض الحالات، يتحول هذا الواقع إلى ضغط ضمني على المالك: إما أن يقبل دفع فرق الأسعار، أو يواجه احتمال انسحاب المقاول والبحث عن بديل سيسعر الأعمال المتبقية وفق أسعار السوق الجديدة، فضلاً عن كلفة التأخير وإعادة تشغيل الموقع.
وهكذا قد يدفع المالك الزيادة في الحالتين، لكن بشروط أكثر صعوبة إذا توقف المشروع وانتقل إلى مقاول آخر.
عبدالعزيز الشعفار
وحول هذا الأمر، يقول عبدالعزيز محمد الشعفار، عضو مجلس الإدارة والشريك في «إينوفو»، العاملة في المقاولات المدنية.
إن تأثير الأوضاع الجيوسياسية كان سلبياً على قطاع المقاولات، نظراً لاعتماد السوق على عدد كبير من مواد البناء القادمة من الخارج. وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط انعكس على أسعار الديزل والتشغيل والنقل، ومن ثم امتد أثره إلى مختلف بنود المقاولات.
وأشار إلى أن جوهر المشكلة يكمن في طبيعة عقود المقاولات التي تظل قيمتها ثابتة حتى تسليم المشروع، بينما يشتري المقاول المواد والوقود وخدمات النقل وفق أسعار تتغير بصورة مستمرة.
فالعقد لا يرتفع تلقائياً عندما يصعد سعر الديزل أو الحديد أو الخرسانة، ولا يتضمن في معظم الحالات آلية تعوض المقاول عن الفارق.
وأضاف: لم يقتصر الأثر على الوقود نفسه، بل انتقل مباشرة إلى النقل الداخلي. ويضرب الشعفار مثالاً بالمواد الصخرية والركام المنقولة من المنطقة الشرقية، التي قد ترتفع كلفتها بنسبة تتراوح بين 15 و20 % بسبب زيادة الديزل وحدها، قبل إضافة أي أثر آخر متعلق بالمواد المستوردة أو الشحن الخارجي.
وأكد أن ارتفاع الأسعار شمل مجموعة واسعة من المواد، مقدراً زيادة الحديد المحلي بما يتراوح بين 18 و20 %، والخرسانة الجاهزة بما لا يقل عن 15 %. كما ارتفعت أسعار الألمنيوم والخشب الرقائقي، ووصلت زيادته منذ فبراير إلى نحو 60 %، بينما بلغت الزيادة في بعض أنواع الأخشاب 77 %.
ورأى أن مطالبة المقاول بتحمل هذه الزيادات منفرداً أمر بالغ الصعوبة، ولا سيما عندما ترتفع مادة أساسية بنسبة 70 % أو أكثر، إذ تتحول الزيادة إلى عبء مباشر على كلفة المشروع وربحية المقاول ومقاولي الباطن
وأكد أن الدولة لم تعلن حالة «القوة القاهرة»، ولذلك لا يستطيع المقاول الاستناد إليها للحصول تلقائياً على تعويض. وتشمل القوة القاهرة ظروفاً استثنائية مثل الحروب والزلازل والكوارث.
وقد تمنح المقاول، إذا انطبقت شروطها وأقرت رسمياً أو تعاقدياً، أساساً للمطالبة بالتعويض عن توقف الأعمال أو ارتفاع تكاليف الشحن أو الآثار المباشرة الأخرى.
وفي هذا الصدد، يشير إلى أن حالة القوة القاهرة لم تعلن خلال الأزمة، مؤكداً أن الحكومة أدرى بالاعتبارات السياسية والقانونية، لكنه يطالب بالنظر بصورة مستقلة في الأثر الاقتصادي الذي لحق بقطاع المقاولات، والوصول إلى معالجة تحافظ على استمراره.
ورأى أن تحميل المقاول كامل الزيادة يضع السوق أمام نتيجتين صعبتين: إما أن يخسر المقاول ويتعثر أو يغلق، وإما أن يستمر ثم يرفع أسعار مشاريعه الجديدة بصورة كبيرة، وفي الحالتين ينتقل الضرر إلى السوق والمستهلك.
ويعد المقاولون الصغار، وفق الشعفار، الأكثر تعرضاً للخطر؛ بسبب محدودية قدراتهم المالية وعدم قدرتهم على امتصاص التغيرات الكبيرة لمدة طويلة، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير بعض المشاريع أو تأجيلها أو التأثير في مواعيد التسليم.
تجربة مختلفة
ياسر محمد
من جهته، قال ياسر محمد، ممثل «دار غنتوت للمقاولات»، إن معظم مواد البناء بقيت متوفرة خلال الفترة الماضية، باستثناء نقص محدود في بعض المواد الكيميائية المستوردة وبعض المنتجات المستخدمة في تركيب السيراميك.
لكن المشكلة الأكبر لم تكن انقطاع المواد، وإنما الارتفاع الواضح في أسعارها. ويقدر زيادة الحديد بما يتراوح بين 30 و35 %، والإسمنت 40 %، والخرسانة الجاهزة 30 %.
وتختلف هذه النسب عن تقديرات مقاولين وموردين آخرين، ما يعكس تفاوت الأسعار وفق تاريخ الشراء، والمورد، ونوع المادة، والمشروع، وفترة المقارنة التي اعتمدها كل متحدث.
ويقول إن ارتفاع الديزل والبترول انعكس مباشرة على تشغيل المولدات والمعدات وعلى النقل بمختلف أنواعه، كما امتد إلى أسعار الرمال والإسمنت الأسود والأبيض وجميع التوريدات المرتبطة بكلفة النقل. أما الركام ومواد طبقات الطرق، وهي مواد محلية، فقد ارتفعت أسعارها وفق تقديراته بنسبة تتراوح بين 20 و25 %.
وأضاف: في بعض المشاريع القديمة التي كانت لا تزال في مرحلة الخرسانة، دخلت الشركة في مفاوضات مع الملاك، واتفق الطرفان على تقاسم أثر الارتفاع. فتحمل المالك فروق أسعار المواد الأساسية، بينما تحمل المقاول الزيادات المرتبطة بالأعمال والتنفيذ ومقاولي الباطن.
وأوضح أن ارتفاع سعر مادة البناء لا يبقى محصوراً في فاتورتها، بل يؤدي عادة إلى ارتفاع تكاليف السوق المحيطة بها، بما في ذلك أجور التنفيذ ومقاولي الباطن والنقل والتشغيل.
لكن الشركة اتخذت موقفاً مختلفاً في معظم الفلل التي وصلت إلى مرحلة التشطيبات، إذ لم تطالب ملاكها بزيادات إضافية، مراعاة لارتباط هذه المشاريع بميزانيات محددة، وعدم قدرة بعض الملاك على دفع مبالغ جديدة في المراحل الأخيرة.
وفي بعض الحالات، قررت الشركة استكمال المشاريع رغم تحقق خسارة مباشرة، لأن التوقف كان سيؤدي إلى خسائر مساوية أو أكبر. فإيقاف موقع لمدة شهر أو شهرين يعني استمرار دفع رواتب العمال، وتحمل مصاريف الموقع والتوقف، وزيادة الضغط على التدفقات النقدية.
وأشار إلى مشروع بلغت الخسارة المتوقعة فيه نحو 100 ألف درهم، لكن تعليق العمل لمدة شهر أو شهرين كان قد يؤدي إلى خسارة مماثلة أو أعلى، ولذلك كان الاستمرار أقل ضرراً من التوقف.
ويختلف القرار عندما يكون المشروع في بدايته، ولا يزال في مرحلة الخرسانة أو الطابوق، ونسبة إنجازه لا تتجاوز 30 أو 40 %. ففي هذه الحالة تصبح القدرة على تحمل الزيادة محدودة، لأن الجزء الأكبر من المشروع لم ينفذ بعد، وقد تتراكم الخسارة بصورة أكبر بكثير.
وقدر ياسر محمد الفرق الإجمالي في كلفة المشروع قبل الأزمة وبعدها بما لا يقل عن 15 إلى 20 %. وبناء على ذلك، فإن مشروعاً قيمته 4 ملايين درهم قد ترتفع كلفته بما يتراوح بين 600 ألف و800 ألف درهم.
وحذر من أنه إذا استمرت الأوضاع حتى نهاية العام دون حلول، فقد يشهد السوق حالة من الشلل أو التباطؤ، وقد تواجه شركات كثيرة ضغوطاً متزايدة، خصوصاً إذا استمر تأخر إطلاق المشاريع الجديدة.
ومع ذلك، يصف سوق دبي بأنه سوق قوي وحيوي، مؤكداً أن أزمة عابرة لا تستطيع هزه بسهولة، لكنه يحتاج إلى تنظيم وضبط أوضح للأسعار وآليات العقود.
وتوقع أن يتغير المشهد بصورة كبيرة إذا فتح مضيق هرمز وعادت سلاسل الإمداد إلى العمل الطبيعي، وبدأت أسعار الحديد والخرسانة والمواد الأساسية في الانخفاض.
ورأى أن ضبابية العقود تدفع المقاولين إلى التحوط المسبق؛ فعندما تكون الزيادة الفعلية 15 %، قد يضيف المقاول 20 أو 25 % خوفاً من ارتفاعات جديدة خلال التنفيذ، بينما يمكن لآلية واضحة أن تقلل هذه المخصصات الاحتياطية.
ولا يجزم ياسر محمد باستغلال مقاولين للأزمة من دون أدلة، لكنه يؤكد تداول حالات يطالب فيها البعض بمبالغ تتجاوز الزيادة الحقيقية. وقال إن شركته اعتمدت في مطالباتها على الفواتير.
فقدمت إلى المالك فواتير شراء الحديد والخرسانة قبل الأزمة، ثم الفواتير الجديدة، مع إثبات وصول المواد إلى موقع المشروع، فيما تولى الاستشاري مراجعتها والتحقق منها. وفي المقابل، يضع بعض المقاولين أرقاماً تقديرية من دون مستندات.
فإذا كانت الزيادة الفعلية تتراوح بين 100 ألف و150 ألف درهم، قد ترتفع المطالبة إلى 200 ألف أو 250 ألف درهم، مستفيدة من حالة القلق التي صاحبت الأزمة.
ثالثاً: الموردون.. طرف جديد في معادلة ارتفاع الأسعار: لم يتوقف تأثير الأزمة عند حدود العلاقة بين المالك والمقاول والاستشاري، إذ تكشف الدراسة أن موردي مواد البناء شكلوا طرفاً آخر في معادلة ارتفاع الكلفة، ولا سيما في المواد المستوردة التي تأثرت باضطراب الشحن وتغير مسارات التوريد وارتفاع تكلفة النقل.
وبحسب «بيلد إن»، فقد رصدت حالات احتفظ فيها بعض الموردين بمخزون جرى شراؤه قبل الأزمة وبكلفة سابقة، ثم أعيد تسعيره وفق المستويات الجديدة التي ظهرت بعد اضطرابات سلاسل الإمداد، على الرغم من أن الكلفة الأصلية لذلك المخزون لم تتغير.
أحمد الشرشابي
في المقابل، تقدم إفادات الموردين صورة أخرى من داخل السوق، إذ يؤكد أحمد نصر الدين الشرشابي، مدير مبيعات شركة «مدار الإمارات لمواد البناء» التابعة لمجموعة الفوزان، أن مصانع الحديد لم تتجه لرفع الأسعار مع بداية الأزمة، بل التزمت بتثبيتها طوال الأشهر الثلاثة الأولى، وتحديداً خلال مارس وأبريل ومايو.
وأوضح أن مصنع «حديد الإمارات» حافظ على سعر الطن عند نحو 3050 درهماً طوال تلك الفترة، رغم ارتفاع تكاليف المواد الخام والشحن والتشغيل، مستفيداً من مخزون استراتيجي من المواد الخام يكفي لنحو أربعة أشهر، وهو ما مكنه من مواصلة الإنتاج وتلبية احتياجات السوق دون تحميل المستهلكين زيادات فورية.
وأضاف أن لجنة حماية المستهلك في أبوظبي تابعت حركة الأسعار خلال الأزمة، ووجهت المصانع والتجار إلى تثبيت الأسعار وعدم تحميل المستهلكين زيادات غير مبررة، مؤكداً أن مصنع «حديد الإمارات» كان من الجهات التي أسهمت في ضبط السوق والحد من ارتفاع الأسعار.
وأشير إلى أن المصانع لم تبدأ تعديل أسعارها إلا بعد انتهاء فترة التثبيت، عندما ارتفع سعر الطن بنحو 100 درهم ليصل إلى قرابة 3150 درهماً، بهدف تغطية الزيادة الفعلية في كلفة المواد الخام والشحن التي تحملتها خلال الأشهر السابقة.
وتكشف بيانات الموردين كذلك أن الطلب لم يتوقف خلال الأزمة، وإن شهد تباطؤاً نسبياً. فبعد أن بلغ حجم الطلب على الحديد نحو 650 ألف طن شهرياً في فبراير، انخفض لاحقاً إلى ما بين 450 ألفاً و500 ألف طن شهرياً، مع تراجع يقارب 10 %، نتيجة تباطؤ بعض المشاريع الخاصة.
ويشير إلى أن الموردين لم يواجهوا نقصاً فعلياً في الحديد أو المواد الخام خلال فترة الأزمة، لأن معظم المصانع كانت تمتلك مخزوناً يكفي بين ثلاثة وأربعة أشهر. لكنه حذر من أن استمرار تعطل خطوط الشحن أو إغلاق المضيق لفترة أطول قد يؤدي إلى تراجع مخزونات بعض المصانع الخاصة.
إعادة تسعير المخزون
وتعكس هذه الإفادات جانباً مهماً من صورة السوق؛ فمن جهة، تؤكد الدراسة أن بعض الموردين أعادوا تسعير مخزون قديم وفق الأسعار الجديدة، بينما تظهر شهادة أحد أكبر موردي الحديد أن المصانع المحلية الكبرى حافظت على استقرار الأسعار خلال الأشهر الأولى، وأن الزيادات التي طرأت لاحقاً جاءت بعد استنفاد فترة التثبيت وارتبطت بارتفاع فعلي في تكاليف الإنتاج والشحن.
ويشير ذلك إلى أن سلوك الموردين لم يكن واحداً، وأن التمييز بين من رفع الأسعار استناداً إلى كلفة حقيقية، ومن أعاد تسعير مخزون قديم، يظل عنصراً أساسياً لفهم كيفية انتقال الزيادات عبر سلسلة التوريد وصولاً إلى المواطن.
وتتفق شهادة محمد يحيى، ممثل مؤسسة «بلاتينيوم إكسبريس» لمواد البناء، مع جانب من هذه الصورة، إذ يؤكد أن الزيادات في أسعار مواد البناء بدأت بالظهور منذ فبراير، وكان المحرك الرئيس لها ارتفاع أسعار الديزل، الذي انعكس مباشرة على تكاليف النقل والشحن.
وأشار إلى أن سعر حمولة الرمل، على سبيل المثال، ارتفع من نحو 900 درهم إلى 1400 درهم، بزيادة بلغت قرابة 500 درهم نتيجة ارتفاع كلفة النقل.
وأكد أن تأثير الأزمة لم يكن متساوياً بين جميع المصانع، موضحاً أن بعض مصانع الطابوق حافظت على أسعارها طوال الفترة، في حين رفعت مصانع أخرى أسعارها لفترة محدودة قبل أن تعود تدريجياً إلى مستوياتها السابقة، لافتاً إلى أن العودة إلى الأسعار الأساسية بدأت تقريباً منذ 10 يوليو مع تحسن أوضاع السوق.
وفيما يتعلق بالطابوق، أوضح أن سعر الطابوق المفرغ (20 سم) ارتفع بنحو 50 فلساً للحبة، بينما ارتفعت أسعار الطابوق الذي يدخل في تصنيعه البوليسترين (الفوم) بنحو درهم و30 فلساً للحبة، نتيجة ارتفاع تكلفة المادة الأولية، قبل أن تعود هذه الأسعار لاحقاً إلى مستويات قريبة من تلك التي كانت سائدة قبل الأزمة.
ورأى أن السوق، رغم موجة الارتفاعات، حافظ على قدر كبير من الاستقرار ولم يشهد تراجعاً حاداً في النشاط، إلا أنه يتوقع أن يظهر الأثر الحقيقي للأزمة في المشاريع الجديدة، إذ اضطر كثير من المقاولين إلى استكمال المشاريع القائمة رغم ارتفاع الأسعار، بينما قد يؤجل بعض المطورين إطلاق مشاريع جديدة إلى حين استقرار السوق.
وخلاصة ما سبق، يتضح أن سوق مواد البناء في الإمارات شهدت موجة من الارتفاعات السعرية المتفاوتة، تزامنت مع اندلاع حرب إيران، لكن لا يمكن إرجاع جميع الزيادات إلى عامل واحد.
فالأزمة الجيوسياسية أدت بالفعل إلى ارتفاع تكاليف بعض المدخلات، في حين تشير بيانات السوق إلى أن بعض المواد والخدمات شهدت زيادات أكبر من الارتفاعات التي يمكن تفسيرها مباشرة بتكاليف النقل أو المواد الخام. وهنا تبرز قضية «تجار الأزمات» الذبن استغلوا حالة الخوف أو نقص المعروض لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها.
ونظراً لأهمية تلك القضية، فقد عرضت «البيان» الأزمة على الجهات المعنية في الدولة، مثل بلدية دبي، ومحاكم دبي، وكذلك على قانونيين وخبراء ومقاولين، لوضع تصورات دقيقة للمشكلة وكيفية معالجتها، وهو ما سوف نتناوله في عدد الغد.
غياب المعرفة لدى المالك
أكد مقاولون وموردون واستشاريون أن المشكلة ليست في ارتفاع أسعار مواد البناء في حد ذاتها، لأن الأسعار الحرة تتغير مع العرض والطلب والتكاليف العالمية، لكن المشكلة الحقيقية هي غياب القدرة الكافية لدى المالك على معرفة ما إذا كانت الزيادة مبررة أم استغلالية.
وأضافوا أن هذا ما يجعل زيادة شفافية الأسعار وسلسلة التوريد أهم من فرض أسعار ثابتة على السوق. وتتيح اللوائح الإماراتية أصلاً اتخاذ إجراءات مؤقتة عند حدوث زيادة غير طبيعية في الأسعار خلال الأزمات.