مؤسسة عالمية: الإمارات تعيد رسم خريطة الاقتصاد الخليجي

دبي تسجل أحد أفضل أنصاف الأعوام في تاريخ سوقها العقارية

الإمارات حافظت على صدارة المنطقة في تمويل الشركات الناشئة

الدولة قادت موجة الاستثمارات الخارجية للصناديق السيادية الخليجية

أظهر أحدث تحديث اقتصادي صادر عن مؤسسة "كرو" العالمية للاستشارات لشهر يوليو 2026 أن الأسواق المالية والاستثمارية في الإمارات ومنطقة الخليج العربي تستمر في إظهار مستويات ملحوظة من المرونة والتكيف الديناميكي، رغم حالة عدم اليقين الأخيرة التي شهدتها المنطقة خلال النصف الأول من العام الجاري.

وذكرت المؤسسة أن التقلبات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال النصف الأول لم تمنع الإمارات من مواصلة ترسيخ مكانتها بوصفها المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي والاستثماري في الخليج، بل إن أبوظبي ودبي نجحتا في تحويل مرحلة عدم اليقين إلى فرصة لتعزيز الحضور العالمي لرأس المال الإماراتي، بينما واصلت الأسواق المحلية إظهار مستويات مرتفعة من المرونة، سواء في قطاع العقارات أو أسواق المال أو منظومة الشركات الناشئة.

وكشف التقرير أن الإمارات كانت صاحبة الحضور الأبرز بين اقتصادات مجلس التعاون الخليجي خلال الأشهر الماضية، بعدما قادت موجة الاستثمارات الخارجية للصناديق السيادية الخليجية، وحافظت على صدارة المنطقة في تمويل الشركات الناشئة، فيما سجلت دبي أحد أفضل أنصاف الأعوام في تاريخ سوقها العقارية رغم الظروف الإقليمية.

صناديق سيادية

وأشار إلى أن الصناديق السيادية الخليجية لم تتبن سياسة دفاعية كما كان متوقعاً مع تصاعد الاضطرابات، بل واصلت ضخ استثمارات ضخمة في الأسواق العالمية، إذ بلغت قيمة الالتزامات الاستثمارية لأكبر 5 صناديق خليجية نحو 26 مليار دولار بين مارس ومايو، فيما وصلت قيمة الاستحواذات الخليجية المعلنة منذ أواخر فبراير وحتى نهاية أبريل إلى نحو 47 مليار دولار، بزيادة تجاوزت 120% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في وقت شهدت فيه عمليات الاندماج والاستحواذ العالمية تراجعاً ملحوظاً. وكانت الإمارات في قلب هذه التحركات عبر جهاز أبوظبي للاستثمار «أديا» وشركة مبادلة و«لِعماد» و«لونيت»، التي واصلت جميعها تنفيذ صفقات استراتيجية في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.

وبرزت أبوظبي من خلال سلسلة من عمليات استثمارية كبرى عكست استمرار توجه الإمارة نحو بناء محافظ عالمية متنوعة. فقد شارك جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة في تمويل صفقة الاستحواذ على شركة «إنترتك» البريطانية، كما دخل «أديا» ضمن تحالف للاستحواذ على شركة الأدوية الإيطالية «ريكورداتي»، في حين واصلت مبادلة إعادة هيكلة بعض استثماراتها عبر التخارج من أصول في شركة «جيتير»، بالتزامن مع دراسة صندوق MGX أول عملية استحواذ له في آسيا عبر مشغل لمراكز البيانات في سنغافورة، في مؤشر واضح إلى أن الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية أصبحا من أبرز محاور الاستثمار الإماراتي في المرحلة المقبلة.

ويعكس حجم الأصول التي تديرها المؤسسات الاستثمارية الإماراتية الوزن المتزايد للدولة في حركة رؤوس الأموال العالمية. فقد ارتفعت الأصول التي تديرها مبادلة إلى نحو 385 مليار دولار بعد تسجيل نمو سنوي يقارب 19%، بينما يدير جهاز أبوظبي للاستثمار أصولاً تتجاوز 1.18 تريليون دولار، في حين يقترب حجم الأصول التابعة لمنصة «لِعماد» من 300 مليار دولار، وتواصل شركة «لونيت» تنفيذ خطتها لمضاعفة أصولها المدارة خلال السنوات المقبلة. ولفت التقرير إلى وجود توجه لتنسيق الاستثمارات الآسيوية بين مبادلة و«لِعماد»، بما يمنع التنافس الداخلي ويزيد كفاءة توظيف رأس المال الإماراتي في الأسواق الدولية.

عقارات دبي

وفي الداخل، قدم القطاع العقاري في دبي واحداً من أوضح المؤشرات على قدرة الاقتصاد الإماراتي على التعافي السريع. فبعد تباطؤ محدود خلال مايو، استعادت السوق نشاطها بقوة في يونيو، لترتفع قيمة المبيعات إلى أكثر من 32.6 مليار درهم عبر ما يقارب 13.8 ألف صفقة، بزيادة شهرية تجاوزت 31%. وعند احتساب الرهون العقارية والهبات، ارتفع إجمالي النشاط العقاري إلى أكثر من 48 مليار درهم، فيما استحوذت مشاريع البيع على الخارطة على أكثر من ثلاثة أرباع الصفقات، ما يعكس استمرار ثقة المستثمرين بالمشروعات المستقبلية وبقوة الطلب على السوق العقارية في الإمارة.

ولم يقتصر الأداء القوي على شهر يونيو، إذ سجلت دبي خلال النصف الأول من العام مبيعات عقارية بقيمة تجاوزت 286 مليار درهم، وهو ثاني أفضل أداء نصف سنوي في تاريخ السوق بعد الرقم القياسي المسجل في عام 2025، بينما بلغ إجمالي النشاط العقاري، شاملاً الرهون والهبات، نحو 420 مليار درهم. ويرى التقرير أن التراجع المحدود مقارنة بالعام الماضي لا يعكس ضعفاً في السوق بقدر ما يمثل عودة تدريجية إلى مستويات أكثر استدامة بعد الطفرة الاستثنائية التي شهدها القطاع خلال العامين الماضيين.

أكبر سوق للشركات الناشئة

ورغم تراجع إجمالي تمويل الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 148.2 مليون دولار خلال يونيو، احتفظت الإمارات بموقعها كأكبر سوق للشركات الناشئة في المنطقة، بعدما استحوذت على 93.8 مليون دولار موزعة على 12 شركة ناشئة، وهو أكثر من 60% من إجمال التمويل الإقليمي. كما واصل قطاع التكنولوجيا المالية تصدره من حيث عدد الصفقات. ويعكس هذا الأداء استمرار جاذبية البيئة الاستثمارية الإماراتية للشركات الناشئة، رغم التباطؤ الذي شهدته المنطقة بصورة عامة.

ومع هذه المؤشرات الإيجابية، يشير التقرير إلى أن مصرف الإمارات المركزي توقع أيضاً نمو الاقتصاد خلال 2027 بنسبة تقترب من 10%، مستنداً إلى تحسن إنتاج النفط واستمرار قوة الأنشطة غير النفطية، ما يعكس ثقة المؤسسات الرسمية بمتانة الاقتصاد الإماراتي وقدرته على تجاوز الصدمات المؤقتة.

وخلص التقرير إلى أن اقتصادات الخليج أثبتت قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية، غير أن الإمارات ظلت صاحبة الزخم الأكبر، سواء من حيث تدفقات رأس المال، أو نشاط الأسواق، أو قدرتها على تحويل التقلبات إلى فرص استثمارية جديدة، بما يعزز موقعها بوصفها المركز المالي والاستثماري الأول في المنطقة.