في جلسة «الإمارات ملاذ آمن واستثمار لا يخسر» ضمن منتدى الإعلام الإماراتي، طرح الأستاذ حامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة «البيان»، سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في دلالته: إذا كان الذهب هو الأمان، ودبي تُعرف بمدينة الذهب، فهل تكون دبي اليوم هي الأمان؟
السؤال لم يكن عن المعدن وحده، بل عن معنى الملاذ في زمن مضطرب. فالذهب لا تُحبه الشعوب لأنه يلمع، بل لأنه يصمد. لا يعود الناس إليه لأنه زينة، بل لأنه يحفظ القيمة حين تتعب الأسواق، وتقلق العملات، وتضيق الخيارات. ومن هنا يصبح السؤال عن دبي سؤالًا عن الثقة: هل تحولت المدينة من سوق للذهب إلى ذهبٍ للمدن؟
الذهب أصل صامت. لا يرفع برجًا، ولا يفتح شركة، ولا يمنح أبناءك مدرسة، ولا يوصلك بمطار إلى العالم. أما دبي فملاذ متحرك؛ أمان له شوارع، وقوانين، وموانئ، ومطارات، ومناطق حرة، وواجهات بحرية، وأسواق، وبنوك، وحياة كاملة. الذهب يحمي الثروة من الخارج، لكن دبي تمنح الثروة بيئة تعمل فيها.
ولهذا لم تعد «مدينة الذهب» وصفًا تجاريًا فقط. صارت استعارة اقتصادية. دبي لا تقول للمستثمر: خبئ مالك هنا. بل تقول له: اجعل مالك يعمل هنا. اشترِ، ابنِ، أسّس، وسّع، جرّب، انطلق. الفرق كبير بين ملاذ يجمّد الخوف، ومدينة تحوّل الخوف إلى قرار.
الأرقام تساعد على قراءة هذا المعنى. بحسب «دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي»، احتلت دبي في 2024 المرتبة الأولى عالميًا في مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة للعام الرابع على التوالي، مستقطبة 52.3 مليار درهم، أي نحو 14.2 مليار دولار، بنمو 33.2% عن العام السابق. هذا الرقم لا يقول إن المستثمرين يحبون دبي فقط، بل يقول إنهم يثقون بها في لحظة عالمية لا تمنح الثقة بسهولة.
وفي العقار، وهو المرآة التي تُرى فيها شهية المدن وثقة الناس بها، سجل سوق دبي في 2025 أكثر من 270 ألف معاملة عقارية بقيمة تجاوزت 917 مليار درهم، وفق بيانات رسمية من حكومة دبي. هذه ليست حركة مضاربة عابرة بقدر ما هي تصويت طويل على مدينة يراها كثيرون قابلة للعيش والعمل والاستثمار معًا. فالبيت في دبي ليس جدارًا فقط، بل قرار إقامة، وانتماء مؤقت أو دائم، وربما بداية جديدة.
لكن الأمان لا يُقاس بالاستثمار وحده. الأمان يبدأ من الشعور البسيط: أن تمشي، أن تعمل، أن تفتح مشروعًا، أن تترك أبناءك يذهبون إلى المدرسة، أن تعرف أن القانون حاضر، وأن النظام ليس رفاهية بل بنية يومية. ولهذا تكتسب تصنيفات السلامة معناها. في مؤشر «نامبيو» للسلامة لعام 2025، جاءت الإمارات في صدارة الدول الأكثر أمانًا بدرجة 85.2، بحسب ما نقلته «غلف نيوز». والأرقام هنا لا تكفي وحدها، لكنها تفسر لماذا لا تبدو دبي لكثير من القادمين إليها مجرد مدينة للربح، بل مدينة للطمأنينة.
ثم يأتي الذهب الحقيقي، ذهب التجارة. بحسب تقارير عن «مركز دبي للسلع المتعددة»، مرّ عبر دبي في 2024 ذهب بقيمة 129 مليار دولار، بنمو 36% عن العام السابق. وفي «بورصة دبي للذهب والسلع»، ارتفعت قيمة عقد الذهب الفوري المتوافق مع الشريعة من 15.6 مليون دولار في النصف الأول من 2024 إلى 46.8 مليون دولار في النصف الأول من 2025، بزيادة تقارب 200%. هذه الأرقام تقول إن دبي لا تستعير لقب الذهب من الشعر، بل من السوق.
ومع ذلك، فالقصة ليست قصة معدن. الذهب، في النهاية، لا يملك رؤية. أما دبي فبُنيت على رؤية. الذهب لا يبتكر، ودبي تفعل. الذهب لا يراهن على الإنسان، ودبي جعلت الإنسان والمستثمر والمقيم والسائح جزءًا من اقتصادها. الذهب لا يتكلم، ودبي تتحدث بلغات العالم، وتستقبل العالم، وتبيع للعالم فكرة قد تكون أثمن من المعدن: أن المستقبل يمكن أن يكون آمنًا إذا وُجدت له إدارة.
من هنا يمكن فهم عبارة العبار بطريقة أوسع. حين يقول إن الذهب هو الأمان، لا يعني ذلك أن الأمان كله في السبائك. بل يذكّرنا بأن الإنسان، مهما تقدم، يبحث في النهاية عن شيء يطمئن إليه. كان الذهب واحدًا من تلك الأشياء. واليوم، في منطقة مضطربة وعالم متقلب، صارت المدن نفسها تُختبر كما تُختبر المعادن: أيها يصمد؟ أيها يحفظ القيمة؟ أيها لا يفقد بريقه حين تتبدل الظروف؟
دبي ليست ذهبًا لأنها تلمع. فالكثير يلمع ثم ينطفئ. دبي أقرب إلى الذهب لأنها صنعت من الثقة أصلًا اقتصاديًا. لأنها حوّلت الأمن إلى بيئة عمل، والاستقرار إلى فرصة، والقانون إلى بنية استثمار، والطموح إلى عادة يومية. ولأنها، مثل الذهب، لا تحتاج أن تشرح قيمتها طويلًا؛ يكفي أن ترى من يأتي إليها حين يبحث عن بداية، أو ملاذ، أو أمان.
ولعل السؤال الأجمل ليس: هل دبي مدينة الذهب؟ بل: هل صارت دبي ذهب المدن؟
في جواب المستثمر، نعم. وفي جواب المقيم، نعم. وفي جواب من يرى المدن لا كخرائط، بل كملاجئ للثقة، تبدو دبي أكثر من مدينة ذهب. تبدو مدينة تقول للعالم: الأمان ليس أن تخبئ ما تملك، بل أن تجد مكانًا يجعلك تريد أن تبني أكثر.
