اقتصاد الجمال.. لماذا تراهن الشركات الكورية على سوق الإمارات؟

لم تعد مستحضرات التجميل الكورية، أو ما يُعرف عالمياً بـ “K-Beauty”، مجرد موجة عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الصادرات الاستهلاكية ديناميكية في كوريا الجنوبية، وإلى فئة آخذة في الاتساع داخل سوق التجزئة الإماراتية، حيث تتقاطع التجارة، والسياحة، وثقافة المولات، والتجارة الإلكترونية، مع الطلب المتزايد على منتجات العناية بالبشرة.

وتُظهر بيانات حكومية كورية أن صادرات مستحضرات التجميل بلغت 5.6 مليارات دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، مقارنة بـ 4.6 مليارات دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة قدرها مليار دولار خلال خمسة أشهر فقط. وبذلك أصبحت مستحضرات التجميل السلعة الاستهلاكية الأكثر تصديراً ضمن خمس فئات رئيسية تشمل المنتجات الزراعية والسمكية، ومستحضرات التجميل، والأزياء، والسلع المنزلية، والأدوية.

وتكشف الأرقام عن تسارع واضح في مسار القطاع؛ إذ تجاوزت صادرات مستحضرات التجميل الكورية حاجز 10 مليارات دولار لأول مرة في عام 2024، قبل أن تصل إلى مستوى قياسي بلغ 11.4 مليار دولار في عام 2025. وبالمقارنة مع صادرات الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، فإن القطاع صدّر في المتوسط نحو 1.12 مليار دولار شهرياً بين يناير ومايو، وهو رقم يعكس اتساع قاعدة الطلب العالمي على منتجات العناية بالبشرة والمكياج الكورية.

سوق استهلاكية مفتوحة

في الإمارات، يجد قطاع الجمال الكوري بيئة مواتية للنمو، مدفوعاً بثلاثة عوامل رئيسية: القوة الشرائية، تنوع السكان، ودور الدولة كمركز إقليمي لإعادة التصدير والتجزئة. فوفق بيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، بلغ عدد سكان الإمارات 11.29 مليون نسمة في 2024، بنمو 5.7% مقارنة بـ 10.68 ملايين نسمة في 2023. كما بلغت التجارة الخارجية غير النفطية للدولة 2.8 تريليون درهم في 2024، في حين وصل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 1.776 تريليون درهم، وبلغ الناتج المحلي غير النفطي 1.342 تريليون درهم، مستحوذاً على 75.5% من الناتج المحلي الحقيقي.

هذه الأرقام تضع سوق التجميل والعناية الشخصية ضمن سياق أوسع: اقتصاد غير نفطي متوسع، تجارة خارجية قياسية، وسوق استهلاكية متنوعة ثقافياً. كما أن نمو التجارة الإلكترونية، وارتفاع حضور المؤثرين، وقوة المولات في دبي وأبوظبي والشارقة، تجعل الإمارات منصة مثالية للعلامات الكورية التي تريد اختبار حضورها خليجياً قبل التوسع في أسواق المنطقة.

الشراكة الإماراتية الكورية

تزامن صعود الجمال الكوري عالمياً مع تطور مهم في العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وكوريا الجنوبية. فقد دخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين حيز التنفيذ في الأول من مايو 2026، بعد توقيعها في 29 مايو 2024، بما يؤسس لإطار تجاري واستثماري جديد بين الجانبين.

وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لقطاع السلع الاستهلاكية، ومنها مستحضرات التجميل، لأنها تستهدف تسهيل تدفقات التجارة، وتعزيز الوصول إلى الأسواق، وخفض أو إزالة الرسوم الجمركية على نطاق واسع من السلع خلال السنوات المقبلة. وبالنسبة إلى شركات التجميل الكورية، فإن هذا الإطار يمنحها فرصة أكبر لتوسيع التوزيع في الإمارات، وبناء شراكات مع وكلاء محليين، وافتتاح متاجر متخصصة أو مفاهيم تجريبية داخل المراكز التجارية.

وتشير بيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء إلى أن التجارة غير النفطية بين الإمارات وكوريا الجنوبية بلغت 6.6 مليارات دولار في 2024، بنمو 11.4% مقارنة بالعام السابق، كما تجاوزت 3.14 مليارات دولار خلال النصف الأول من 2025. وبذلك لا يأتي تمدد منتجات الجمال الكورية في الإمارات بمعزل عن علاقة اقتصادية أوسع تشمل التجارة، والاستثمار، والطاقة، والتكنولوجيا، والسياحة، والصناعات الاستهلاكية.

متاجر متخصصة 

على أرض الواقع، يظهر توسع  مستحضرات الجمال الكورية بوضوح في شبكة المتاجر المتخصصة داخل الإمارات. وتقدم متاجر مثل K-SECRET نموذجاً لانتقال المنتجات الكورية من الطلب الإلكتروني والشراء عبر المنصات إلى الحضور المباشر في المولات. وتعرض سلسلة K-SECRET نفسها باعتبارها من أبرز متاجر K-Beauty وK-Pop في دول الخليج، وتدرج فروعاً في عدد كبير من مراكز التسوق الإماراتية، من بينها: مول الإمارات، ابن بطوطة مول، الغرير سنتر، سيركل مول، سيتي سنتر ديرة، سيتي سنتر معيصم، دبي فستيفال سيتي مول، وافي مول، برجمان مول، العربيان سنتر، إضافة إلى الوحدة مول في أبوظبي، وسيتي سنتر الزاهية في الشارقة.

ويعني هذا الانتشار أن المنتجات الكورية لم تعد حاضرة في زاوية محدودة داخل الصيدليات أو عبر الطلب الإلكتروني فقط، بل أصبحت فئة مستقلة لها رفوفها ومندوبي مبيعاتها وتجربتها الشرائية. فالعميل اليوم لا يشتري "كريم ترطيب" فحسب، بل يسأل عن مكونات محددة مثل السنتيلا، أو مستخلص الأرز، أو واقيات الشمس الكورية، أو مستحضرات ترميم حاجز البشرة، أو منتجات الحلزون، أو الأقنعة الورقية، أو السيرومات الخفيفة المناسبة للمناخ الحار.

كما شهدت دبي افتتاح مفهوم K-BEAUTY ON Dubai في برجمان مول، كمتجر متعدد العلامات يركز على مستحضرات التجميل الكورية الفاخرة، ويمزج بين البيع بالتجزئة والترويج الثقافي للمنتجات الكورية. وتمنح مثل هذه المفاهيم العلامات الجديدة فرصة للتعريف بنفسها في سوق مزدحمة، حيث لم يعد المستهلك يبحث فقط عن اسم عالمي، بل عن تركيبة فعالة وسعر مقبول وتجربة موثوقة.

دبي واجهة العلامات الكورية

لم تبدأ قصة الجمال الكوري في الإمارات اليوم. ففي فبراير 2020، افتتحت علامة Innisfree الكورية أول متجر رئيسي لها في الشرق الأوسط داخل دبي مول، أحد أكثر مراكز التسوق ازدحاماً في المنطقة، والذي أشارت الشركة إلى أنه يستقبل أكثر من 80 مليون زائر سنوياً. وكان افتتاح المتجر إشارة مبكرة إلى أن دبي ليست مجرد سوق بيع، بل منصة عرض إقليمية أمام المستهلك الخليجي والسائح والزائر العابر.

وتعزز هذا التوجه مع دخول لاعبين عالميين جدد إلى سوق الجمال في الإمارات. ففي يناير 2026، افتتحت Ulta Beauty أول متجر لها في دولة الإمارات في مول الإمارات بالشراكة مع مجموعة الشايع. ورغم أن Ulta ليست علامة كورية، فإن دخولها يهم قطاع K-Beauty لأنه يوسّع مساحة المنافسة في قطاع الجمال، ويجمع في مكان واحد منتجات العناية بالبشرة، والمكياج، والعطور، والعناية بالشعر، والخدمات داخل المتجر، ما يمنح العلامات الكورية فرصة للوصول إلى جمهور أوسع ضمن وجهات تجزئة كبرى.

وتشير هذه الافتتاحات إلى تحول في خريطة تجارة الجمال في الإمارات: من متاجر تقليدية تبيع علامات عالمية محدودة، إلى وجهات تجمع بين المنتجات الفاخرة، والعلامات الناشئة، والمنتجات المنتشرة عبر تيك توك، والعناية الطبية الخفيفة بالبشرة، والتجارب داخل المتجر.

المستهلك المطلع

من أبرز عوامل نمو الجمال الكوري أن المستهلك أصبح أكثر اطلاعاً. فقرار الشراء لم يعد يبدأ داخل المتجر، بل يبدأ غالباً من فيديو قصير على تيك توك، أو مراجعة على إنستغرام، أو توصية من مؤثر، ثم ينتقل إلى المول أو منصة التجارة الإلكترونية. لذلك تدخل المتاجر اليوم عميلاً يعرف أسماء المكونات، ويقارن بين المنتجات، ويسأل عن نوع البشرة، وعن الحماية من الشمس، وعن المنتجات المناسبة للرطوبة والحرارة.

وتتفوق K-Beauty في هذه النقطة لأنها بنت هويتها على الابتكار السريع، والتغليف الجذاب، والمكونات الواضحة، والأسعار المتوسطة، وتجربة الاستخدام الخفيفة. كما أن كثيراً من المنتجات الكورية تناسب مناخ الإمارات لأنها تركز على القوام الخفيف، والامتصاص السريع، والترطيب دون ملمس دهني، وواقيات الشمس اليومية.

إعادة التصدير

الأهمية الاقتصادية للقطاع لا تتوقف عند مبيعات التجزئة. فالإمارات تمتلك بنية لوجستية وتجارية تجعلها مركزاً لإعادة التصدير إلى أسواق الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا. ومع تجارة خارجية غير نفطية بلغت 2.8 تريليون درهم في 2024، يمكن أن تتحول مستحضرات التجميل الكورية من فئة استهلاكية داخلية إلى جزء من حركة تجارية أوسع عبر المناطق الحرة والموزعين الإقليميين.

وبالنسبة إلى الشركات الكورية، فإن فتح متجر في دبي أو توقيع اتفاق توزيع في الإمارات قد يعني عملياً الوصول إلى مستهلكين في السعودية والكويت وقطر وعُمان والبحرين، إلى جانب أسواق أوسع في الشرق الأوسط. وهذا يفسر لماذا تختار علامات كثيرة دبي كمحطة أولى قبل التوسع الإقليمي.

التنظيم والرقابة

ومع توسع السوق، تبرز أهمية التنظيم والرقابة. فمنتجات التجميل المتداولة في الإمارات تخضع لمتطلبات تسجيل ومطابقة ومواصفات، وتوفر بلدية دبي عبر نظام "منتجي" أدوات للتحقق من المنتجات الاستهلاكية قبل تداولها. وتتيح هذه المنظومة للمستهلكين التأكد من بيانات المنتج وسلامته، وهو عنصر مهم في سوق تشهد تدفق علامات جديدة ومنتجات تباع عبر قنوات متعددة، من المولات إلى المتاجر الإلكترونية ومنصات التواصل.

ويعني ذلك أن نجاح العلامات الكورية في الإمارات لن يعتمد فقط على شهرتها أو انتشارها الرقمي، بل أيضاً على قدرتها على الالتزام بمتطلبات السوق، من التسجيل والملصقات واللغة والمكونات، إلى التوزيع الرسمي ومكافحة المنتجات المقلدة.