فرض «الذهب الرقمي» نفسه منافساً قوياً للذهب المادي في أسواق دولة الإمارات، مستفيداً من مرونة التداول وسهولة الاستثمار الذي بات متاحاً بمبالغ ضئيلة، تبدأ من «دولار واحد ونقرة زر». هذا التحول الرقمي قدّم أداة مرونة مالية استثنائية، تتيح للجيل الجديد من المستهلكين التحوط ضد التقلبات الاقتصادية بتكاليف تشغيلية منخفضة، بعيداً عن أعباء التخزين التقليدية أو رسوم المصنعية. ورغم هذا الزحف التكنولوجي، لا يزال الذهب العيني يحتفظ بمكانته كـ«ملاذ آمن»، وخيار مفضل بنسبة تصل إلى 70 % من حجم الطلب. هذه هي حال الذهب في الإمارات، كما يوجزها خبراء السوق، الذين التقتهم «البيان» في هذا التحقيق.
منصات رقمية
جوش جيلبرت (محلل الأسواق لدى «إيتورو»)، يعقب على ما سبق ذكره بأن سهولة الوصول إلى الذهب الرقمي، وإمكانية شراء أجزاء صغيرة منه من دون الحاجة للتخزين، تسهم في جذب شريحة جديدة من المستثمرين، ما يعني أن الفجوة بين الذهب الرقمي والتقليدي بدأت تضيق تدريجياً، مشيراً إلى أن الذهب المتداول عبر المنصات الرقمية، يكون عادة في شكل أدوات مالية، مثل الصناديق المتداولة (ETFs)، والتي تكون مدعومة بذهب فعلي عالي النقاء، ومخزن في خزائن مؤمّنة، وفق المعايير العالمية. ويختلف هذا عن الذهب التقليدي مثل المجوهرات، حيث يوفّر تعرضاً مباشراً لسعر الذهب من دون تكاليف التصنيع أو التخزين، ما يجعله خياراً أكثر كفاءة للمستثمرين الذين يركزون على العائد المالي، بخاصة مع إشارة 53 % من المستثمرين إلى توقعهم ارتفاع الأسعار كدافع رئيس.
أيهما أفضل؟
وعن الفرق بين الذهب الرقمي والتقليدي، وأيهما يُعتبر الأفضل للاستثمار، قال جيلبرت: يعتمد ذلك على هدف المستثمر، فالذهب العيني (سبائك، عملات، مجوهرات)، يوفر ملكية فعلية ملموسة، وهو أمر يفضّله الكثيرون في الإمارات، نظراً إلى الثقة بالأصل المادي وأبعاده الثقافية. وفي المقابل، يتميز الذهب الرقمي بانخفاض التكاليف، وسهولة التداول، وإمكانية الشراء الجزئي، والتوافر على مدار الساعة. ومع توقع 84 % من المستثمرين في الإمارات ارتفاع أسعار الذهب خلال الأشهر الستة المقبلة، يبرز الذهب الرقمي خياراً أكثر كفاءة لمن يسعى إلى الاستفادة من تحركات الأسعار. لذلك، قد يكون النهج الأمثل هو الجمع بين النوعين، عبر الاحتفاظ بالذهب التقليدي للقيمة طويلة الأجل، واستخدام الذهب الرقمي لتحقيق مرونة الاستثمار وسهولة التداول.
سهولة الاستثمار المجزأ
في حين يرى فيجاي فاليشا الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، أن الناس في الإمارات يقبلون على شراء الذهب العيني أو التقليدي، مشيراً إلى أنه في عام 2025، انخفضت أحجام الطلب على المجوهرات في الشرق الأوسط، مع قفزة الذهب إلى أسعار قياسية، في حين ارتفع الطلب على السبائك والعملات المعدنية في المنطقة بنسبة 24 % على أساس سنوي، ليصل إلى 14.8 طناً، ومع ذلك يشهد الذهب الرقمي نمواً ملحوظاً في الطلب والاعتماد، حيث وصلت الأسعار مؤخراً إلى ذروة بلغت 5600 دولار، وبات بإمكان المستثمرين الآن حيازة كميات ضئيلة تصل إلى 0.1 جرام من الذهب، وذلك بفضل سهولة الاستثمار المجزأ في الأصول الرقمية. وفي الإمارات، بدأت العديد من البنوك ومنصات التكنولوجيا المالية، تقديم استثمارات الذهب الرقمي ضمن خدماتها الأساسية، وأسهم ذلك في خفض «عتبة الدخول» للاستثمار في الذهب الرقمي بشكل كبير، بعد أن كان يتطلب في السابق رأسمال كبيراً. وتتمثل الأسباب الرئيسة لهذا الاعتماد المتزايد، في القدرة على تحمل التكاليف، والسيولة العالية، وتلاشي المخاوف المتعلقة بالتخزين. علاوة على ذلك، يدرك المستثمرون الجدد والشباب المواكبون للتكنولوجيا هذه المزايا جيداً.
ويضيف فاليشا: يعد الذهب الرقمي المجزأ المدعوم بذهب عيني من عيار 24 قيراط (نقاوة 999.9)، هو الشكل الأكثر رواجاً في الإمارات عبر المنصات الرقمية، حيث يشتري المستخدمون الذهب بكسور الجرام عبر تطبيقات الهواتف، ويكون مخزناً في خزائن مؤمنة بالكامل، مع ضمان نقاوة عيار 24، وتسعير مباشر مرتبط بالسوق، ما يجعله المنتج المهيمن مقارنةً بالبدائل الأخرى، مثل صناديق المؤشرات المتداولة والمشتقات المالية للذهب. وتعتبر فئة 700 درهم هي حجم الاستثمار الأكثر شيوعاً، حيث يشتري 64 % من المستثمرين ذهباً بقيمة تقل عن 500 درهم، ما يعكس تحولاً هيكلياً من عمليات الشراء الكبيرة لمرة واحدة نحو التراكم التدريجي والمستمر. ويدعم هذا التوجه نظام ضريبي محفز للغاية، حيث نجد ضريبة الأرباح الرأسمالية في الإمارات صفراً، كما يُعفى المشترون بنسبة
100 % من ضريبة القيمة المضافة عند شراء ذهب استثماري بنسبة نقاوة 99 % أو أكثر.
صناديق الاستثمار
ويشير فاليشا إلى أن القيمة الإجمالية للذهب المتداول عبر الإمارات بلغت في 2024 نحو 186 مليار دولار، ارتفاعاً من 129 مليار دولار في 2023، وهو العام الذي تجاوزت فيه الإمارات رسمياً المملكة المتحدة، لتصبح ثاني أكبر مركز لتجارة الذهب في العالم، مسجلةً نمواً بنسبة 36 % على أساس سنوي. وبالنسبة إلى صناديق الاستثمار ذات الانكشاف الإقليمي، فإن استمرار تراكم الذهب من عيار 24 قيراطاً، المدعوم عينياً عبر منصات خاضعة لرقابة مركز دبي للسلع المتعددة، وبعهدة حكومية، يمثل تدفقاً إيجابياً ومستداماً، يدعم الطلب على الذهب العيني في الخليج.
وعن الفروق بين الذهب الرقمي والتقليدي من حيث الاستثمار، قال فاليشا: تفرض المجوهرات مصنعية تتراوح عادةً بين 5 % و8 % من سعر الذهب. كما تخضع السبائك والعملات لرسوم مصنعية أو معالجة، وإن كانت أقل. بينما يتحمل الذهب الرقمي رسوم معاملات ضئيلة جداً، خاصة بالمنصة. أما من حيث الحد الأدنى للاستثمار، فإن الطريقة التقليدية تتطلب استثماراً بحد أدنى قدره 1 جرام، بينما في الطريقة الرقمية، يمكن أن يبدأ الاستثمار من دولار واحد فقط. ومن حيث التخزين، فإن الطريقة التقليدية تتطلب وجود خزنة منزلية، أو استئجار صندوق أمانات لدى البنك، في حين لا يتطلب الذهب الرقمي تخزيناً شخصياً، ولكن تُطبق عليه في هذه الحالة نسبة مصاريف معينة.
التقليدي يكسب
ويتفق مع ما سبق أحمد عنيزان، خبير بالأسواق المالية ومختص بالذهب والمعادن النفيسة، قائلاً: يشهد سوق الذهب بالإمارات تحولاً متسارعاً في أنماط الاستثمار، مع تنامي الإقبال على الذهب الرقمي، عبر منصات موثوق بها ومعتمدة ومرخصة من الجهات التنظيمية المختصة والمصرف المركزي. ولكن رغم هذا التوسع، لا يزال الذهب التقليدي يحتفظ بمكانته الراسخة في السوق المحلي، سواء كأداة ادخار، أو كجزء من الثقافة الاجتماعية المرتبطة بالمناسبات والعادات الأسرية.
وتشير التقديرات إلى أن ما بين 70 % و80 % من حجم الطلب في الإمارات، لا يزال موجهاً نحو الذهب التقليدي، مقابل ما بين 20 % و30 % للذهب الرقمي. ويستدرك عنيزان: ولكن هذه النسب لا تعكس ضعفاً في جاذبية الذهب الرقمي، بقدر ما تعكس طبيعة السوق الإماراتي والخليجي عموماً، ويُعزى استمرار تفوق الذهب التقليدي إلى عدة عوامل رئيسة، أبرزها البعد الثقافي والاجتماعي، إذ يمثل الذهب جزءاً من الهوية المجتمعية في الخليج. كما يفضل شريحة من المستثمرين الأصول الملموسة التي يمكن الاحتفاظ بها فعلياً، إلى جانب الاستخدام المزدوج للذهب التقليدي، كأداة استثمار وزينة في الوقت ذاته. في المقابل، يلقى الذهب الرقمي اهتماماً متزايداً من الجيل الجديد من المستثمرين، مدفوعاً بعدة مزايا، من أبرزها سهولة الوصول، وإمكانية الشراء بمبالغ صغيرة، تبدأ من أجزاء الجرام، ما يتيح الاستثمار لشريحة أوسع من الأفراد. كما توفر المنصات الرقمية مرونة في البيع والشراء الفوري، وإمكانية التسييل السريع، أو استبدال ذهب فعلي بالرصيد الرقمي عند الطلب. كذلك من العوامل الداعمة انخفاض التكاليف التشغيلية، حيث لا يحتاج المستثمر إلى تحمل نفقات التخزين أو النقل أو التأمين، فضلاً عن تقليل مخاطر السرقة. ويتركز الطلب عبر هذه المنصات غالباً على السبائك والذهب النقي عيار 24. كما دخلت بعض البنوك في الإمارات على خط هذه الخدمات، من خلال تقديم حلول مرتبطة بتداول الذهب الرقمي، أو الاستثمار المرتبط بالمعدن النفيس، ما يعزز ثقة المستثمرين، ويوسع قاعدة المستخدمين.
ويضيف عنيزان: يُتوقع أن ترتفع حصة الذهب الرقمي في السوق الإماراتي إلى ما بين 30 % و50 % خلال السنوات الثلاث المقبلة، مدفوعة باستراتيجية الدولة في التحول الرقمي، وتبنّي التكنولوجيا المالية، وزيادة مستويات الوعي المالي لدى الأفراد، ما يجعل الإمارات واحدة من أبرز الأسواق الإقليمية المرشحة لقيادة هذا النوع من الاستثمارات.
خيارات متكاملة
الختام مع أندرو نايلور، رئيس شؤون الشرق الأوسط والسياسات العامة في مجلس الذهب العالمي، الذي أكد وجود اهتمام عالمي بالذهب الرقمي، خصوصاً بين المستثمرين الشباب الذين نشؤوا في بيئة رقمية، ويبحثون عن سهولة الوصول والمرونة، حيث يمتلك الذهب الرقمي القدرة على توسيع قاعدة المستثمرين، من خلال إزالة العوائق أمام الدخول إلى السوق، وتمكين الملكية الجزئية. وتسهِّل مبادرات مثل «الذهب كخدمة»، التابعة لمجلس الذهب العالمي دمج الذهب في الأنظمة المالية الرقمية بطريقة سلسة وقابلة للتوسع. وقد صُممت حلول الذهب الرقمي عالمياً لتمكين الاستثمار في الذهب المادي بطريقة مريحة وسهلة الوصول، مع ضمان وجود احتياطيات ذهبية فعلية، تدعم هذه الأصول. وتختلف المنتجات المتاحة من منصة إلى أخرى، إلا أن معظم المصدّرين يركزون على الشفافية والأمان والالتزام بأفضل الممارسات العالمية، لضمان ثقة المستثمرين.
ويضيف نايلور: بدلاً من اعتبار أحدهما أفضل من الآخر، يمكن النظر إلى الذهب التقليدي والذهب الرقمي، باعتبارهما خيارات متكاملة. وبصفتنا جهة تعمل على تطوير السوق، فإننا لا نقدم استشارات استثمارية، لكننا ندرك أن أشكال الذهب المختلفة يمكن أن تلعب أدواراً متنوعة داخل محفظة استثمارية متوازنة، وفقاً لأهداف وتفضيلات كل مستثمر.
