شهدت الأسواق الأمريكية، اليوم الخميس، موجة بيع عنيفة طالت أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي، ومحا الهبوط أكثر من 4 تريليونات دولار من القيمة السوقية لشركات مؤشر «إس آند بي 500» بحلول منتصف الجلسة، في انقلاب سريع على موجة الصعود القوية التي أعقبت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وعند الساعة 11:37 صباحاً بتوقيت نيويورك، 8:37 مساءً بتوقيت الإمارات، كان مؤشر «ناسداك» المركب متراجعاً بنحو 5%، فيما هبط «إس آند بي 500» بنحو 3.3%، وخسر «داو جونز» الصناعي نحو 2.2%، أو أكثر من 1200 نقطة. وتمثل هذه الأرقام مستويات لحظية خلال جلسة لا تزال مفتوحة، ويمكن أن تتغير قبل الإغلاق.
الرقائق في قلب العاصفة
وكان قطاع أشباه الموصلات في قلب موجة البيع. فقد هبط مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بما يصل إلى نحو 11% خلال التعاملات، قبل أن يقلص جانباً من خسائره. وبحسب «بلومبرغ»، بات المؤشر متجهاً إلى أسوأ أداء أسبوعي له منذ أبريل 2025، وإلى خامس تراجع أسبوعي على التوالي، في أطول سلسلة خسائر منذ ذلك الحين.
وتراجع سهم «إنفيديا» بنحو 7% في إحدى القراءات اللحظية، فيما تعرضت أسهم «إنتل» و«ميكرون» و«برودكوم» لخسائر حادة. وجاءت المفارقة الأوضح من «إيه إم دي»، التي هوى سهمها بنحو 13%، بعد أيام فقط من إعلانها نتائج فصلية قياسية، في إشارة إلى أن المستثمرين باتوا يسعّرون المخاطر التنظيمية المقبلة أكثر مما يكافئون الأداء الحالي.
وأدت حدة الهبوط إلى دفع «ناسداك» المركب إلى أكثر من 10% دون مستواه القياسي المسجل الشهر الماضي، وهو ما يضعه في نطاق «التصحيح» وفق التعريف الشائع في الأسواق، إذا استمرت هذه المستويات. وكان مؤشر «ناسداك 100» قد دخل منطقة التصحيح بالفعل أواخر أكتوبر، مع تزايد المخاوف من تباطؤ الإنفاق على مراكز البيانات، في دليل على أن الضغوط على القطاع سبقت الانتخابات.
«كوالكوم» والمزيد من الضغط
وزادت نتائج «كوالكوم» الضغط على القطاع. فقد انخفضت إيرادات الشركة من رقائق الهواتف الذكية بنسبة 26% على أساس سنوي إلى 5.14 مليار دولار خلال الربع الرابع من سنتها المالية، مقارنة بتوقعات بلغت 5.21 مليار دولار وفق بيانات «ستريت أكاونت».
ورغم تجاوز النتائج الإجمالية بعض توقعات المحللين، جاءت توقعات الأرباح للفصل التالي ضعيفة، وتراجع سهم «كوالكوم» بنحو 9% في التعاملات الصباحية. وتواجه الشركة ضغوطاً من ارتفاع تكاليف الذاكرة، وضعف سوق الهواتف الذكية، وتراجع الإيرادات المرتبطة بأجهزة «أبل».
موجة البيع تعبر المحيط الهادئ
ولم تقتصر الضغوط على «وول ستريت». ففي كوريا الجنوبية، أغلق مؤشر «كوسبي» منخفضاً 5.28%، وسط موجة بيع كثيفة لأسهم الرقائق. وهبط سهم «سامسونغ إلكترونيكس» بنسبة 7.57%، فيما خسر سهم شركة رقائق الذاكرة «إس كيه هاينكس» 9.46%، في ظل مخاوف من أن تؤثر القيود المحتملة على بناء مراكز البيانات الأمريكية في وتيرة نمو الطلب المستقبلي على أشباه الموصلات.
وفي اليابان، أغلق مؤشر «نيكاي 225» منخفضاً بنحو 1.8%، وتراجع سهم «سوفت بنك»، المستثمر في شركات الذكاء الاصطناعي، بنحو 6.9%، فيما هبط سهم شركة معدات صناعة الرقائق «طوكيو إلكترون» بنحو 9.5%.
هل بدأت «فقاعة الذكاء الاصطناعي» في الانكماش؟
تعيد موجة البيع الحالية إلى الواجهة السؤال الذي يلاحق طفرة الذكاء الاصطناعي منذ عامين: هل وصلت تقييمات شركات القطاع إلى مستويات تفترض نمواً يصعب الحفاظ عليه؟
غير أن ما يحدث في الأسواق اليوم يجمع بين عاملين مختلفين. الأول يتعلق بمخاوف قائمة أصلاً بشأن أسعار أسهم الذكاء الاصطناعي وحجم الاستثمارات الهائل المطلوب لبناء مراكز البيانات، ومدى قدرة الشركات على تحويل مئات المليارات من الدولارات من الإنفاق الرأسمالي إلى أرباح تبرر هذه الاستثمارات.
أما العامل الثاني فسياسي وتنظيمي، إذ بدأ المستثمرون يعيدون تسعير المخاطر بعد فوز الديمقراطيين، وسط توقعات بأن تؤدي سيطرتهم على الكونغرس اعتباراً من يناير إلى رقابة أشد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويمنح محللو بنك «يو بي إس» هذا العامل وزناً ملموساً، إذ قدّروا أن نحو 30% من الطاقة المتوقع إضافتها إلى مراكز البيانات الأمريكية في عام 2028 قد تكون معرضة للخطر بسبب احتمال وقف البناء. وكتب المحلل دان آيفز أنه «لا سبيل لتجميل» حقيقة أن سيطرة الديمقراطيين، خاصة على مجلس الشيوخ، ستخلق «عقبات كبرى» أمام تشريعات الذكاء الاصطناعي والتقنية خلال العامين المقبلين.
ومع ذلك، لا تشير المعطيات حتى الآن إلى انهيار الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي. فالرئيس التنفيذي لـ«كوالكوم»، كريستيانو آمون، قدّم مثالاً معاكساً، حين أكد أن ما يقيّد أعمال مراكز البيانات لدى شركته هو المعروض، وأنها كانت ستحقق أداء أفضل لو توافرت لها إمدادات أكبر.
ولهذا قد يكون من المبكر وصف ما يحدث بأنه انفجار لـ«فقاعة الذكاء الاصطناعي». وما يمكن تأكيده أن المستثمرين بدأوا يطلبون ثمناً أعلى للمخاطر، وأن أسهم الرقائق والتكنولوجيا التي استفادت أكثر من توقعات النمو المتسارع أصبحت أيضاً الأكثر حساسية تجاه أي احتمال لتباطؤ بناء مراكز البيانات أو تشديد القواعد التنظيمية.
ويبقى الاختبار الحقيقي في الأيام والأسابيع المقبلة: هل تتحول موجة البيع إلى إعادة تقييم مطولة لأسهم الذكاء الاصطناعي، أم تكون صدمة سياسية وتنظيمية تمتصها الأسواق بعد اتضاح أجندة الكونغرس الجديد؟
وقد تكون الإجابة أقل ارتباطاً بحجم الطلب على الذكاء الاصطناعي نفسه، وأكثر ارتباطاً بالسؤال عن مدى السرعة التي ستسمح بها واشنطن لبناء البنية التحتية اللازمة لتشغيله.
