ارتفعت أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ مايو الماضي، فيما تسببت مخاوف المستثمرين من الإنفاق الضخم لشركات التكنولوجيا الكبرى على الذكاء الاصطناعي في انخفاض حاد بالأسهم الأمريكية، كما قفزت تكاليف الاقتراض في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات طويلة، في يوم مضطرب شهدته الأسواق العالمية الخميس.
وصعد سعر خام برنت بنحو 7% ليصل إلى 100.5 دولار للبرميل، عقب هجمات استهدفت ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، ما أدى إلى تعطيل شريان حيوي ثانٍ لإمدادات النفط العالمية من الشرق الأوسط، إلى جانب إغلاق إيران شبه الكامل لمضيق هرمز.
وكان الحوثيون في اليمن، المدعومون من إيران، قد نفّذوا الهجوم في إطار حصار بحري على السعودية، ما أدى إلى تلاشي أثر الهدنة المؤقتة التي كانت قد أُبرمت بين طهران وواشنطن.
وفي التصعيد العسكري، شن الجيش الأمريكي جولة جديدة من الضربات على إيران، في الليلة الثانية عشرة على التوالي من الهجمات، فيما هدد البيت الأبيض بشن هجمات إضافية تستهدف البنية التحتية الإيرانية ومنشآتها النووية الرئيسية.
تراجع حاد في وول ستريت
وتراجعت البورصة الأمريكية بشدة، إذ هبط مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأوسع نطاقاً بنسبة 1.2% إلى 1.5%، متجهاً نحو تسجيل ثاني تراجع أسبوعي على التوالي لأول مرة منذ مارس الماضي. كما انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 477 نقطة (نحو 1%)، بينما تراجع مؤشر ناسداك المجمع بين 2.4% و2.7%.
وجاء الضغط الأكبر على الأسهم من ارتفاع أسعار النفط الذي يرفع نفقات الشركات ويقلص قدرة المستهلكين على الإنفاق. وتراجعت أسهم شركات الطيران كثيفة استهلاك الوقود بشدة؛ إذ هبط سهم أمريكان أيرلاينز 7.4% رغم إعلانها أرباحاً ربع سنوية أفضل من توقعات المحللين، وتراجع سهم ساوث ويست إيرلاينز 3.9% رغم نتائج مماثلة تفوق التوقعات.
وكان اللافت أكثر تراجع سهمي شركتين من عمالقة التكنولوجيا الملقبين بـ«السبع الرائعة»، واللتين أعلنتا أولى نتائجهما هذا الموسم: تسلا وألفابت. فقد انهار سهم تسلا بنسبة 13.6% بعد أن سجلت الشركة المملوكة لإيلون ماسك أرباحاً أقل من التوقعات في الربع الثاني، مسجلة أول استنزاف نقدي لها منذ عامين.
وتراجع سهم ألفابت، الشركة الأم لجوجل، بنحو 7.3% رغم تحقيقها أرباحاً وإيرادات فاقت التوقعات، بعدما استنزفت سيولتها النقدية أيضاً وأعلنت زيادة إنفاقها الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي بمقدار 15 مليار دولار إضافية ليصل إلى ما بين 195 و205 مليارات دولار هذا العام، مقارنة بخطة سابقة تراوحت بين 180 و190 مليار دولار.
وعلّق ريك ريدر، كبير مسؤولي الاستثمار في قسم الدخل الثابت العالمي لدى بلاك روك، قائلاً إن الآثار طويلة الأجل للذكاء الاصطناعي لا تزال قوية، لكن قصة الاستثمار على المدى القريب باتت أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أن الأسواق تميل إلى تسعير هذا التحول قبل أن تؤكده البيانات الفعلية.
وقال روشاب أمين، مدير المحفظة متعددة الأصول في «أول سبرينغ غلوبال إنفستمنتس»، إن الأسئلة تتصاعد حول مصدر الإيرادات المستقبلية لهذه الشركات، مضيفاً أن التباطؤ الحالي في المعنويات يعكس تراجعاً طفيفاً في مراكز المستثمرين رغم الأرباح الجيدة لبعض الشركات.
أكبر تراجع يومي في أوروبا
ومنيت الأسهم الأوروبية بأكبر انخفاض في يوم واحد خلال أكثر من أسبوعين، متأثرة بنتائج أعمال باهتة وتعليقات متشددة من البنك المركزي الأوروبي وارتفاع أسعار النفط الخام. وتراجع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 1.3% إلى 638.5 نقطة، مواجهاً صعوبة في الخروج من نطاق ضيق هذا الشهر مع تفاقم التوترات في الشرق الأوسط ومخاوف التضخم.
وأبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير عند 2.25% بعد رفعها في يونيو، مشيراً إلى استمرار الغموض حول الأثر التضخمي الكامل لصدمة الطاقة. إلا أن الأسواق اعتبرت تعليقات رئيسة البنك كريستين لاغارد إشارة إلى رفع محتمل في سبتمبر، إذ ارتفع احتمال هذا السيناريو من 25% إلى 45% في تقديرات المتعاملين.
وعلّق كلاوس فيستيسن، كبير الاقتصاديين في منطقة اليورو لدى «بانثيون ماكرو إيكونوميكس»، بأن قرار سبتمبر سيتعلق إلى حد كبير بمسار أسعار النفط والأوضاع في الشرق الأوسط، بينما أكد محللو مورغان ستانلي دعوتهم لرفع جديد لسعر الفائدة إذا استمر ارتفاع أسعار الطاقة.
ورفع ارتفاع أسعار النفط أسهم قطاع الطاقة الأوروبي بنسبة 1.54%، فيما ارتفع سهم TotalEnergies بنسبة 2.5% بعد أقوى أرباح فصلية له منذ نحو ثلاث سنوات، مدعوماً بارتفاع أسعار النفط وهوامش التكرير القوية.
في المقابل، تكبّد قطاع الأغذية والمشروبات خسائر بنسبة 4.1%، بقيادة سهم نستله الذي هوى نحو 8%، في أكبر خسارة له منذ عام 1989، رغم رفع الشركة توقعاتها للمبيعات العضوية للعام بأكمله وإعلانها بيع جزء من أعمالها في المياه والمشروبات المتميزة لشركة Platinum Equity.
كما تراجع قطاع التكنولوجيا الأوروبي بنسبة 2.9%، متأثراً بانهيار سهم STMicroelectronics بنسبة 17.7% بعد توقعات بإيرادات أقل من المتوقع للربع الثالث، وتراجع سهم BE لأشباه الموصلات 7.3% عقب نتائج الربع الثاني.
وعلى الجانب الآخر، قفز سهم Soitec نحو 22% بعدما فاقت إيراداتها الفصلية التوقعات. كما ارتفع سهم إيزي جيت 2.7% رغم تراجع أرباح الربع الثالث بنسبة 70%، بينما هبط سهم مجموعة الغابات الفنلندية Stora Enso نحو 8.5% بعد أرباح تشغيل أقل من توقعات السوق.
نيكي يغلق مرتفعاً
في المقابل، أغلق المؤشر نيكي الياباني على ارتفاع بنسبة 0.46% ليصل إلى 66422.6 نقطة، فيما صعد مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً 0.51% إلى 4053.88 نقطة، مقتفياً أثر الأسهم الأمريكية لقطاع الرقائق التي صعدت خلال الليل، حيث ارتفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات 0.4% مدعوماً برفع ألفابت توقعات إنفاقها الرأسمالي.
وقال شوتارو ياسودا، محلل السوق في «توكاي طوكيو إنتيليجينس لابوراتوري»، إن المعنويات تحسنت عقب رفع ألفابت توقعاتها الاستثمارية وارتفاع أسهم شركات الرقائق الأمريكية، لكنه أشار إلى أن التوقعات برفع مبكر لأسعار الفائدة من بنك اليابان المركزي أثرت سلباً على الأسهم المرتبطة بالطلب المحلي.
وقفز سهم أدفانتست 4.11%، وارتفع سهم مجموعة سوفت بنك 3.77%، فيما صعدت أسهم البنوك بالتوازي مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية اليابانية؛ إذ زادت أسهم مجموعة ميزوهو المالية 2.78%، وارتفعت أسهم سوميتومو ميتسوي وميتسوبيشي يو إف جيه الماليتين بأكثر من 2% لكل منهما.
في المقابل، تراجع سهم كيوكسيا لرقائق الذاكرة 3.72% بعد أن تخلى عن مكاسبه المبكرة، وهبط سهم طوكيو إلكترون طفيفاً بنسبة 0.02%. وتصدّرت أسهم التجزئة قائمة الخاسرين، إذ تراجع سهم تاكاشيمايا 6.14% ليصبح الأكبر خسارة على المؤشر، وهبط سهم إيسيتان ميتسوكوشي القابضة 4.65%. ومن أصل نحو 1500 سهم متداول في السوق الرئيسية لبورصة طوكيو، ارتفع 44% وتراجع 53% وبقي 2% دون تغيير.
عوائد السندات ترتفع والين يهوي
ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، المعيار المرجعي لتكاليف الاقتراض في منطقة اليورو، إلى ما فوق 3.2% لأول مرة منذ عام 2011، وهو العام الذي شهد ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط وأزمة ديون كادت تنفجر مجدداً في منطقة اليورو. كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى لها منذ يناير 2025.
وفي أسواق العملات، تراجع الين الياباني إلى أدنى مستوى له في 40 عاماً مقابل الدولار، مدفوعاً بتقرير نشرته بلومبيرغ يفيد بانفتاح مسؤولي بنك اليابان المركزي على رفع أسعار الفائدة بوتيرة أسرع، فيما ارتفع عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل عامين إلى أعلى مستوى له منذ 31 عاماً. وأصدر وزير المالية الياباني تحذيراً شفهياً بشأن احتمال تدخل البنك المركزي في سوق الصرف الأجنبي.
كما انخفض اليورو مجدداً إلى ما دون 1.14 دولار عقب قرار البنك المركزي الأوروبي، فيما ارتفع مؤشر الدولار الذي يقيس قيمة العملة الأمريكية مقابل سلة عملات رئيسية بنحو 0.3%.
ويُخشى أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط، مقترناً بموجة الحر الشديدة التي تشهدها أوروبا هذا الشهر، إلى التأثير سلباً على المحاصيل الزراعية ورفع أسعار المواد الغذائية، فيما قد يتسبب انخفاض منسوب المياه في الأنهار الرئيسية باختناقات في حركة النقل النهري.