الأسواق العالمية بين رهان الذكاء الاصطناعي وضغط التوترات

متداولون في بورصة نيويورك يتابعون تطورات الأحداث العالمية وأثرها على مؤشرات الأسهم
متداولون في بورصة نيويورك يتابعون تطورات الأحداث العالمية وأثرها على مؤشرات الأسهم

أسهم شركات أشباه الموصلات المحرك الأبرز لصعود «وول ستريت»

الأسواق الأوروبية تترقب تأثير أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية

تدخل الأسواق العالمية مرحلة جديدة من إعادة تقييم مكاسب الذكاء الاصطناعي، بعدما قادت أسهم التكنولوجيا موجة صعود تاريخية خلال العام الجاري، قبل أن تبدأ في فقدان بعض الزخم مع تصاعد الضغوط الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وعودة المخاوف بشأن استدامة الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ويوازن المستثمرون حالياً بين عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في استمرار قوة الطلب على الرقائق ومراكز البيانات، والثاني يتعلق بارتفاع التقييمات واحتمالات تباطؤ العوائد المستقبلية من الاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات التكنولوجيا الكبرى.

الأسواق الأمريكية

في الولايات المتحدة، تحرك مؤشري ستاندرد آند بورز 500 وناسداك نحو الارتفاع بشكل محدود، مدعومة بانتعاش أسهم شركات تصنيع الرقائق، في وقت ظلت فيه الأسواق تحت ضغط التطورات الجيوسياسية بعد تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وجاءت التحركات بعد إعلان الجيش الأمريكي تنفيذ ضربات جديدة في إيران بهدف ضمان استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز، الأمر الذي أعاد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية وأسعار النفط.

وكانت أسهم شركات أشباه الموصلات المحرك الأبرز لصعود وول ستريت خلال الفترة الماضية، إذ أسهم القطاع بنحو نصف المكاسب في القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 خلال العام، بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي والطلب القوي على الرقائق المتقدمة.

لكن موجة الصعود بدأت تواجه اختباراً حقيقياً، إذ تراجعت أسهم شركات الرقائق خلال الأسابيع الأخيرة مع اتجاه المستثمرين لجني الأرباح وإعادة تقييم قدرة الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد متناسبة مع التوقعات المرتفعة.

وانخفض سهم مايكرون تكنولوجي بأكثر من 20% منذ تسجيله أعلى مستوى له في يونيو، كما تراجع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بنحو 15% من قمته الأخيرة، رغم استمرار تحقيق القطاع مكاسب قوية منذ بداية العام.

وفي قطاع التكنولوجيا، تراجعت أسهم عدد من الشركات الكبرى، حيث انخفضت أسهم آي بي إم ومايكروسوفت وميتا، في ظل إعادة المستثمرين تقييم مستقبل الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتترقب الأسواق نتائج الأعمال المقبلة للشركات الكبرى، باعتبارها مؤشراً رئيسياً على قدرة الذكاء الاصطناعي على التحول من موجة استثمارية ضخمة إلى مصدر فعلي لنمو الأرباح.

التكنولوجيا تقود تعافي أوروبا

وفي أوروبا، ارتفع مؤشر ستوكس 600 بنسبة 0.4%، مدعوماً بانتعاش أسهم التكنولوجيا التي صعدت 1.6%، لتصبح من أفضل القطاعات أداء.

وسجلت أسهم شركات الرقائق مكاسب قوية، حيث ارتفع سهم سيلترونيك بنسبة 7.4%، وصعد سهم سويتك بنسبة 5.5%، فيما زاد سهم إيه إس إم إل بنسبة 2.5%.

وجاء التحسن بعد تراجع مؤقت للمخاوف بشأن تقييمات شركات التكنولوجيا، إلى جانب توقعات بأن يؤدي الطلب الصيني المحتمل على رقائق الذكاء الاصطناعي إلى دعم سلسلة الإمدادات العالمية.

لكن الأسواق الأوروبية بقيت حذرة بسبب تأثير أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، خاصة أن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز قد يرفع تكاليف الطاقة ويزيد الضغوط التضخمية.

وفي تحركات الشركات، هبط سهم أسترازينيكا بنسبة 8% بعد إخفاق عقار جديد في تحقيق أهداف تجربة سريرية متقدمة.

مكاسب الرقائق تدعم نيكاي

خالف السوق الياباني الاتجاه الإقليمي، حيث ارتفع مؤشر نيكاي بنسبة 1.38% ليغلق عند 67743.85 نقطة، بدعم من مكاسب أسهم شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

وصعد سهم كيوكسيا لصناعة رقائق الذاكرة بنسبة 8.3%، وارتفع سهم أدفانتست لمعدات اختبار الرقائق بنسبة 5.9%، فيما زاد سهم طوكيو إلكترون بنسبة 5.5%.

وجاء هذا الأداء بعد تحسن شهية المستثمرين تجاه القطاع عقب أنباء عن اتفاقات توريد رقائق ضخمة، بينها اتفاق بين برودكوم وآبل تتجاوز قيمته 30 مليار دولار، إلى جانب تقارير حول احتمال حصول شركات صينية للذكاء الاصطناعي على وصول محدود إلى رقائق إنفيديا المتقدمة.

لكن ارتفاع أسعار النفط أعاد الضغوط على قطاعات النقل والطيران، كما دفع عوائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة عقود بسبب مخاوف التضخم.

الأسواق الآسيوية

في آسيا، اتجهت حركة الأسواق إلى مزيد من التباين، حيث تعرضت أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات لضغوط، في وقت بدأ فيه المستثمرون إعادة توزيع استثماراتهم بعيداً عن الأسهم التي سجلت ارتفاعات قياسية خلال طفرة الذكاء الاصطناعي.

وتراجع مؤشر كوسبي الكوري بأكثر من 5%، لترتفع خسائره من أعلى مستوى سجله الشهر الماضي إلى نحو 20%، مع تراجع أسهم شركات الرقائق التي قادت المكاسب السابقة.

في المقابل، شهدت الأسهم الصينية أداءً أفضل، إذ قفز سهم علي بابا بنحو 12% في هونغ كونغ، مدعوماً بموجة صعود في الأسهم الصينية مع تحسن التوقعات بشأن قطاع التكنولوجيا المحلي.

كما تراجع مؤشر إم إس سي آي لأسهم آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 0.5%، وسط استمرار مراقبة المستثمرين لتداعيات التوترات في الشرق الأوسط وأسعار الطاقة.

الذهب يرتفع والمشفرة تتراجع

في أسواق الأصول، ارتفع الذهب الفوري بنسبة 0.5% إلى نحو 4125 دولاراً للأونصة، مستفيداً من توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مع تصاعد حالة عدم اليقين.

واستقر الدولار الأمريكي دون تغيرات كبيرة، بينما تراجعت عملة بيتكوين بنسبة 1.4% إلى نحو 62.7 ألف دولار. كما استقر عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات عند مستويات قريبة من 4.54%.

وتتجه أنظار المستثمرين خلال الفترة المقبلة إلى نتائج أعمال شركات التكنولوجيا الكبرى، والتي ستحدد ما إذا كانت طفرة الذكاء الاصطناعي ما زالت تمتلك القدرة على دفع الأسواق إلى مستويات جديدة، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تسعير واسعة للأسهم بعد موجة الصعود القياسية.