قبل الأرقام والشاشات.. كيف ولدت البورصات في العالم؟

اشتق اسم البورصة، حسب بعض المؤرخين للاقتصاد العالمي، في القرن الخامس عشر، من اسم عائلة «فان در بورسي» Van der Beurze وهي عائلة بارزة من نبلاء بلجيكا آنذاك، كانت تمتلك نزلاً فندقياً في مدينة «بروج» كان بمثابة نقطة تجمع رئيسية للتجار الأوروبيين والسماسرة والمصرفيين لتبادل السلع والمال، وهكذا استمد اسم «البورصة» La Bourse في اللغة الفرنسية من اسم هذه العائلة، التي أصبح فندقها مركزاً لتحديد ونشر أسعار السلع وإدارة الديون التجارية، وتبادل المعلومات، وتنظيم التعاملات المالية، مشكلاً النواة التاريخية لأسواق المال الحديثة، حيث كان التجار القادمون من فلورنسا إلى بريدج البلجيكية يتجمعون، ولم يكونوا يصطحبون بضائعهم معهم، فكانت الصفقات الآجلة منها والعاجلة تتم وفق عقود وتعهدات و«التزامات مستقبلية قائمة على الثقة المتبادلة بين الأطراف المتعاملة».. هكذا ولد قانون البورصة واستمر رغم اختلاف صيغ وأشكال العقود المبرمة.

روايات كثيرة والاسم واحد

تباينت الروايات حول مكان نشأة أول بورصة؛ فهناك من يقول إن أول مكان خصص رسمياً لهذه الأنشطة التجارية وسمي صراحة «البورصة» كان بمدينة anverse وهي بلجيكية أيضاً، وتحديداً في عام 1460، ثم ظهر بعد ذلك العديد من البورصات في أوروبا، وتعد «ليون» الفرنسية أول مدينة تنظم بورصة للقيم المنقولة، ثم كانت بورصة مدينة «تولوز» عام 1549، ثم العاصمة باريس عام 1563، ثم بورصة مدينة «بوردو» عام 1571.

وأما خارج فرنسا فكانت بورصة روما الإيطالية عام 1566، ثم بورصة أمستردام بهولندا عام 1608 ثم مدينة فيينا عاصمة النمسا الحالية عام 1762، وفي بريطانيا أنشئت بورصة لندن عام 1773، ثم بورصة نيويورك الأمريكية عام 1792، التي صارت الآن أهم بورصة للقيم المنقولة، وتشهد أكبر حجم للتبادلات اليومية في العالم.

هناك من يقول أيضاً إن البورصة في فرنسا بشكلها المنظم والرسمي، نشأت في باريس في 24 سبتمبر عام 1724، ولا ينكر وجود أنشطة تداول سابقة في ليون، ثم انتقلت البورصة إلى القصر الملكي عام 1807، وكان الزعيم التاريخي لفرنسا الإمبراطور نابليون بونابرت قد أعاد تأسيسها عام 1801، إلى أن تم تشييد مبناها الشهير قصر «برونغنيار» عام 1826، لتصبح مركزاً مالياً رئيسياً في أوروبا، وفي عام 1986 اتجهت إلى التداول الإلكتروني، وفي عام 2000 تم إنشاء بورصة «يورونكست» - بورصة باريس سابقاً - وهي سوق للأوراق المالية، حيث اندمجت مع كل من بورصات أمستردام ولشبونة وبروكسل، واعتباراً من عام 2022 بلغ إجمالي القيمة السوقية للشركات المدرجة فيها، والبالغ عددها 795 شركة، أكثر من 4.58 تريليونات دولار، ويعد الفرع الفرنسي لها أكبر سوق للأوراق المالية في أوروبا، حيث تفوقت على بورصة لندن لأول مرة منذ عام 2003.

حكاية بورصة أمستردام

«ذات صباح يوم من أيام عام 1602 وتحت أبراج قاعة مدينة أمستردام، تجمع حشد من التجار الهولنديين بقبعات وياقات يتداولون قصاصات من الورق، لم تكن سوى شهادات أسهم لشركة الهند الشرقية الهولندية، لتصبح أول طرح عام أولي في التاريخ».. هذه حكاية أخرى مختلفة عن أول بورصة في العالم.

تصف بقية الحكاية حركة البورصة «السوق»، ونداءات البائعين بينما تسجل الريشة تفاصيل المعاملات في الدفاتر: أشرعة مصنعة وتوابل وبضائع وصناعات كثيرة مختلفة يتبادلها التجار المستثمرون، حقائب مليئة بالإيصالات ودفاتر الأسهم.

المؤرخون وصفوا ميلاد هذه البورصة بأنه ثورة وتحول عميق من هيمنة النبلاء والأمراء إلى حكم الأسواق والمساهمين، حيث كانت أمستردام بمثابة «جمهورية تجارية في عصر الممالك المطلقة» بعد حرب استمرت 80 عاماً، اعتبرت أول ثورة برجوازية في التاريخ متعلقة بالاقتصاد والحقوق المدنية، وصارت أمستردام نقطة جذب لرؤوس الأموال من جميع أنحاء أوروبا ومركزاً للتجارة العالمية.

في ذلك العام أنشأت الجمهورية الهولندية «شركة الهند الشرقية الهولندية» شركة مساهمة، ولأول مرة في التاريخ طرحت أسهماً عامة لكل من يملك المال، سواء من البرجوازيين الأثرياء والحرفيين المهرة، بغرض شراء الأسهم والاستثمار في رحلات إلى جزر الهند الشرقية، التي كانت بضاعتها من التوابل والحرير والكماليات المختلفة، وتدافع الرجال والنساء من كل المقاطعات للاكتتاب، فكانت أول شركة مملوكة للقطاع العام في العالم، برأس مال بلغ آنذاك 6 ملايين جيلدر، وعلى العكس مما كان يحدث في رحلات التجارة الأخرى من ضرورة انتظار المستثمرين سنوات حتى تعود الرحلة وتقسم بينهم الأرباح، نص ميثاق الشركة الجديدة على أن «الأسهم دائمة ويمكن بيعها لأطراف ثالثة إذا رغب المستثمر في تسييلها مبكراً»، وشهدت أمستردام حركة غير مسبوقة في بيع وتبادل الأسهم حين تم تأسيس مبنى للبورصة، كان بمثابة موقع مركزي للتداول يعمل حسب مواعيد محددة، وله قواعد وهيكل تنظيمي واضح، استطاع إدارة أعمال أكبر شركة تجارية شهدها العالم في ذلك الوقت، حيث كانت تمتلك أكثر من 150 سفينة تجارية، و50 ألف موظف، بقيمة سوقية بلغت في عام 1637 ما يعادل 8 تريليونات دولار اليوم.