قبل سنوات قليلة فقط، كانت سان فرانسيسكو تتصدر عناوين الصحف بوصفها الرمز الوطني الأبرز للتراجع الحضري في حقبة ما بعد جائحة كوفيد-19؛ مبانٍ تجارية خاوية، وشوارع تعاني من شبح التشرد، وموجة نزوح جماعي فرّ خلالها أكثر من 60 ألف نسمة بحثاً عن ملاذات آمنة.
أما اليوم، فتحتفل "المدينة الذهبية" بانقلاب تاريخي صاخب؛ إذ تتحول وضواحيها، مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي الجامحة، بسرعة فائقة لتصبح سوق الإسكان الأكثر ضراوة على مستوى الولايات المتحدة بأسرها.
مزايدات جنونية
تتدفق السيولة النقدية بغزارة غير مقبولة على شرايين المدينة، مدعومة بخيارات أسهم ذات قيم فلكية يجنيها مهندسو التكنولوجيا.
هذا الطوفان المالي أطلق العنان لموجة شراء محمومة، دافعة بأسعار المنازل والعقارات المستأجرة نحو مستويات غير مسبوقة.
وتشهد أسعار العقارات في سان فرانسيسكو أسرع وتيرة نمو لها منذ نحو عقد كامل؛ إذ بلغ متوسط سعر بيع المنزل 1.7 مليون دولار، متفوقاً بفارق شاسع على المتوسط الوطني البالغ 440,600 دولار.
والأكثر لفت للانتباه هو أن نحو 33% من صفقات بيع المنازل في منطقة الخليج خلال الربع الثاني تمت نقداً بالكامل، في مؤشر واضح على حجم السيولة الضخمة التي يدخها جيل جديد من"المليونيرات الذين صنعتهـم طفرة الذكاء الاصطناعي
ويصف الوسيط العقاري المحلي، جون ديدومينيكو، المشهد قائلاً إن هؤلاء الوافدين الجدد يتنافسون بضراوة شرسة مع مخضرمي عمالقة التكنولوجيا مثل "غوغل"، و"آبل"، و"ميتا"، مشيراً إلى أن العروض التي تتجاوز السعر الأصلي المعروض بأكثر من مليون دولار باتت مشهداً مألوفاً في الصفقات فائقة الطلب.
استثناء تاريخي
وعلى عكس طفرات التكنولوجيا التقليدية السابقة، تؤكد داريل فيرويذر، كبيرة اقتصاديي موقع "ريدفين"، أن ثورة الذكاء الاصطناعي تأخذ طابعاً أكثر تطرفاً واحتكاراً؛ فهي تتركز في أيدي شريحة محدودة للغاية من العاملين والمستثمرين في شركات لم تُطرح للاكتتاب العام بعد، مما يخلق صدمة عقارية حادة تقودها مجموعة أصغر من الأثرياء الجدد.
هذا السحق المعيشي لم يتوقف عند المشترين، بل امتد ليعصف بالمستأجرين أيضاً. فالعاملون العاديون وطلاب الوظائف التقنية يواجهون حرب بقاء في سوق الإيجارات القريبة من مقار شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
وتشير البيانات إلى أن إيجارات الشقق المكونة من غرفتي نوم قفزت بنحو 26% لتتجاوز في متوسطها مدينة نيويورك، التي لطالما تربعت على عرش الغلاء في أمريكا.
لم يعد الصراع في سوق العقارات بـ"المدينة الذهبية" مقصوراً على السيولة النقدية التقليدية، بل تجاوزها ليدخل في مرحلة غير مسبوقة من الابتكار المالي والرهانات المستقبلية على عمالقة التقنية. ف
قبل أن تفتح شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة شهية السوق لاكتتابات مرتقبة، جاءت صفقة "سبيس إكس" التاريخية في شهر يونيو الماضي لتسجل أكبر اكتتاب عام (IPO) في التاريخ، ضامةً أرباحاً طائلة بالملايين إلى أرصدة الموظفين القدامى، ومقدمةً "بروفة" حية لما ينتظر القطاع العقاري مع اقتراب طرح أسهم عمالقة الذكاء الاصطناعي مثل "أوبن إي آي" و"أنثروبيك"
وبلغ هذا الهوس ذروته عندما رصد متابعون إعلاني بيع عقاريين على الأقل في سان فرانسيسكو هذا الربيع، يعرض فيهما أصحاب المنازل صراحةً استعدادهم لقبول أسهم شركات الذكاء الاصطناعي كبديل مباشر للنقد، في إشارة صارخة إلى أن السوق بات يعامل أسهم هذه الشركات الناشئة وكأنها عملة صعبة توازي الذهب والعقارات نفسها.
هل هي مجرد البداية؟
وفي الوقت الذي يضطر فيه وافدون جدد مثل بول بيلمونتي —الذي انتقل بحثاً عن فرصة عمل جديدة— للاصطدام بواقع مرير يجعله يتمسك بشقته الصغيرة إلى الأبد أمام غياب أي أفق لتملك منزل عائلي، يترقب القطاع العقاري طفرة أعنف.
فالتوقعات تشير إلى أن الاكتتابات العامة المرتقبة لعملاقي الذكاء الاصطناعي "أوبن إي آي" و"أنثروبيك" في الأفق القريب قد تفرخ آلاف المليونيرات الجدد بمقدرة شرائية هائلة قادرة على ابتلاع ما يقرب من 29% من إجمالي العقارات في مترو سان فرانسيسكو.
ومع بلوغ الهوس العقاري ذروته، بات بعض البائعين يرفضون السيولة التقليدية، معلنين استعدادهم لقبول أسهم في شركات الذكاء الاصطناعي كأثمان لمنازلهم، في رهان أخير على أن قمة الأسعار لم تُحصد بعد.
